أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الخميس، أغسطس 28، 2014

فوضى عمرانية وراءها مخطط مدروس؟




جمال اللافي

يعتبر هم البحث عن المأوى الذي يحمي من برد الشتاء وحر الصيف، ويوفر السكينة والاستقرار، من أكبر الهموم التي تشغل بال الإنسان منذ وطئت قدماه الأرض.

ولكن ليس الخوض في تاريخ المستوطنات البشرية ومراحل التطور التي مرت بها هدف هذا الموضوع، ولكن ما يشغل البال هو التدهور الأخلاقي الحاصل في التعاطي مع هذا المطلب الإنساني الهام، من حيث الآليات التي تفتقر للكثير من المقومات والأسس التي تبنى بها وعلى أساسها المستوطنات الجديدة، هذا إذا ما سلمنا بأن هناك مستوطنات بشرية جديدة بنيت أو تبنى بغض النظر على المعايير التي استندت إليها، والأسس التي قامت عليها.

وقد أضحى المأوى قضية مستعصية تكاد تنطبق في كل تفاصيلها مع ما يجري في أكثر من بلد عربي ، مع فارق التسميات، فمنهم من رفع شعاراً فضفاضا يحمل عنواناً رناناً هو" ابني بيتك" ، نعم " ابني بيتك" ، إنه شئ جميل، ولكن أين؟ وكيف؟، هذا هو بيت القصيد، فالمطلوب من هذا المواطن الخروج إلى مناطق جرداء " بلقع" لا ماء فيها ولا كلأ، حيث تم وضع مخططات لمشاريع إسكانية، لا تضم إلاّ قطع أراضي للإستعمال السكني فقط، لا بنى تحتية ولا مرافق خدمية. هذا في بعض البلاد، أما في بلاد أخرى فلم يدّعِ أحدا فيها أنه يبني للناس، و لم يدعوهم لبناء بيوتهم، بل تركهم في مهب الريح، يدارون هوانهم على الأمم الأخرى.

أمّا ما تجود به هذه الحكومات وبعد كل عدة سنوات من القحط والجفاف، وفقدان الإحساس بوجود حفنة من البشر أضناهم البحث عن بيت كريم، فهو نموذج مفروض وعلى الجميع قبوله طوعاً أو كرهاً، وبأسعار تتجاوز حد المنطق والمقبول والمقدورعليه، وبأسوأ أساليب التنفيذ والتشطيب.

والفارق الآخر، أن النموذج المقترح، ليس وحدة سكنية من دور أو دورين، بل هو عمارة من أربعة عشر دورا تقل قليلا في بعض المشاريع أو تزيد قليلا... توزع على رقعة الأرض المخصصة بطريقة عشوائية وفي مختلف الاتجاهات. مع افتقار هذه المشاريع الإسكانية في غالب الأحيان للبنى التحتية والخدمات والمرافق الخدمية... لا مساجد، ولا مدارس، ولا محال تجارية ولا حدائق ولا تخطيط لمواقف السيارات... فقط فوضى بصرية، تدفع الإنسان لحالة من الحيرة والضياع والتوهان في البحث عن المفقود بعيدا أو البحث عن حل من خلال مبادرات فردية. ولسان حالهم يقول:" ما حك جلدك مثل ظفرك".

والفارق الأخير، أنك تستطيع في بعض البلاد انتقاد هذا التوجه، وفضح الممارسات الخاطئة علنا، وعبر كل الوسائل المتاحة. أما في غيرها فهذه المشاريع تمثل إنجازات، ومجرد ملاحظة عابرة حولها قد تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، لهذا يلجأ البعض إلى التلميح دون التصريح خوفا من الوقوع في مطب الرجعية والعمالة لأمريكيا والصهيونية.

نقطة أخرى، تتعلق بتحويل بعض مراكز المدن العربية وضواحيها إلى منطقة خاصة بـرجالات الدولة وأعوانهم وأجهزتهم الاستخباراتية. وهذا الإجراء طبقته بعض الحكومات العربية ويمهّد البعض الآخر لتطبيقه أيضا، وبطريقة، تشبه إلى حد كبير، ما قامت به العصابات الصهيونية إبّان احتلالها لفلسطين.

والقصة تبدأ من هذا التعويض:
مبلغ مالي، ليس لنا عليه تعليق، لأنه يفترض في الظروف العادية، أن يساعد على شراء شقة في عمارة في آخر الدنيا. ولكن هناك إجراءات إحترازية أخرى تصاحب هذا التعويض، وهي:
§        رفع أسعار مواد البناء الأساسية( الإسمنت والياجور والبلوك والحديد).
§   إصدار قرارات بطرد العمالة الوافدة، تحت دعاوى تنظيم دخولهم وخروجهم، على أن تبقى الأمور على حالها، مما يشجع هذه العمالة على استغلال الظرف ورفع أسعار الأيدي العاملة في مجالات البناء إلى أضعاف السعر السائد، بحجة نقص العمالة. وكلما تكرر الأمر يزداد ارتفاع السعر، بحيث يصل في النهاية إلى أسعار تعجيزية، لا قدرة للمواطن العادي وغير العادي على مجاراتها. وبالتالي يقف المواطن عاجزا عن بناء بيت، فيلجاء إلى بناء عشة من صفيح أو كرتون. وفي نهاية المطاف قد لا يجد إلا الأرض وسادة والسماء لحافا.
§   منع البناء خارج المخططات المعتمدة في هذه الدول، مع مراعاة عدم وجود مخططات جديدة، وتهديد كل من يقوم بالبناء خارج هذه المخططات بهدم مسكنه دون تعويضه.
§   السماح بالبناء العشوائي، والتغاطي عن ذلك في مقابل بعض الرشاوي، التي تستنزف جزء من رصيد المواطن، لحين الانتهاء من تهجير جميع السكان داخل المخططات المعتمدة- بحجة الإزالة لغرض التطوير وتوسعة الشوارع- إلى هذه المناطق التي تفتقر لجميع الخدمات والبنى التحتية. وبعدها سيتم تطبيق الإجراء.

والنتيجة:
1- عدم استقرار أحوال المواطنين في هذه البلاد.
2- نزع ملكية جميع العقارات داخل المخططات المعتمدة بالمدن أولا، والعشوائية بعدها وبالتدريج، حتى يتم نزع ملكية كل شبر في تلك البلاد، بحيث لن يصبح في المستقبل هناك مواطن يملك شبرا واحدا من الأرض أو العقار، في هذه الدول.
3- استبدال المواطنين، بالجاليات الأجنبية، في مراكز المدن، بحجة فتح أبواب الاستثمارات الخارجية، وحق الأجانب في التملك.... يعني عودة الاحتلال الذي خرج من الأبواب تحت ضربات المجاهدين، ليدخل من الشباك الذي فتحته على مصراعيه زمرة من العملاء والمأجورين.

ويمكن تلخيص المسألة من خلال معادلة رياضية بسيطة:
مبلغ تعويض بخس + ارتفاع أسعار مواد البناء الأساسية + ارتفاع أسعار الإيدي العاملة + منع البناء خارج مخططات المدن/ عدم وجود مخططات لمدن جديدة = هجرة السكان إلى المجهول/ عدم توفر وسائل المواصلات لهم/ عدم توفر مواطن شغل لهم/ عدم توفر الخدمات الرئيسية لهم/ عدم وجود رعاية صحية لهم/ عدم وجود مؤسسات تعليمية لهم. والمحصلة، إفناء شعب، وإحلال آخر، بطريقة شيطانية/ سرقة أرض/ سرقة ثروات.

الأمر تعدى كل الحدود... الأمر ليس مجرد سوء إدارة أو سوء تصميم لمشاريع عمرانية، أو خروج عن المعايير والمواصفات في مجال البناء، أو طمع مقاول وغش مهندس معدوم الضمير، أو تغافل الرقابة الإدارية عن المخالفين من أصحاب النفوذ والمال.

هذه المشاريع التي تنفذ الآن على قدم وساق في جميع الدول العربية، المستهدف منها هو إعادة توطين الجاليات الأجنبية الغربية فقط (على غرار ما كان من المفترض أن يتم خلال فترات الإحتلال التي تعرض لها العالم العربي والإسلامي في بدايات القرن الماضي)، ولكن هذه المرة ليس عن طريق الاحتلال المباشر، بل بوسائل أكثر خبثا ووضاعة). ومهمة المستوطنين الجدد، السيطرة على مصادر الثروة، ومراكز المدن، والتحكم في القرار السياسي لكل دولة، ومنع أي حلقة اتصال بين الشعوب العربية، لمنع أي تنسيق أو تنظيم لمواجهة هذا الاحتلال.

أما مصير الشعوب العربية، فسيكون على النحو التالي:
·        التهجير من جميع مراكز المدن والقرى، دون تحديد مواقع جديدة لتوطينهم.
·   الاستيلاء على أملاكهم بحجة مخالفة قوانين التخطيط والتنظيم، وعدم تعويضهم، أو جعل التعويض غير قابل لتمكينهم من إعادة بناء مساكن صالحة.
·   تجميعهم في مناطق عشوائية غير مرخص بالبناء فيها، تفتقر لجميع الخدمات والمرافق الضرورية، وخصوصا المساجد، المباني التعليمية، المرافق الصحية.
·   قطع أسباب الرزق عنهم بالتدريج، وتحويلهم لمجمعات من العاطلين عن العمل، لنشر أسباب الفساد والرذيلة والأوبئة الصحية والاجتماعية بينهم، وتحويلهم لقطعان من البشر فاقدي الأهلية والقدرة على التحكم في مقاليد أمورهم، واضطرارهم للعمل كخدم منازل لأسيادهم البيض.

وأخيرا.... الحل يكمن في استمرار عملية توعية الناس من خلال وسائل الإعلام المختلفة بما يحاك لهم في الظلمات، مؤامرات اجتمع فيها شياطين الإنس بشياطين الجن، لتحقيق مآرب أخرى، بدأت معالمها تتضح كل يوم، في كل مكان على وجه هذه البسيطة، وفي مختلف أوجه الحياة،وليس فقط في العمران.

علينا أن لا نسمح بمشاريع الغد أن تأخذ طريقها للتنفيذ بواسطة عملاء جدد ووجوهاً خبرناها.

وخلاصة الأمر، رفعنا ونرفع الدعاء للذي لا يغفل ولا ينام، والذي بيده ملكوت السماوات والأرض، أن لا يقدّر هذا الأمر، وأن يحفظ أمتنا العربية والإسلامية من كل سوء.... وأن يجعل كيد هؤلاء البغاة المستبدين في نحورهم، وأن يكفينا شرورهم. ثم علينا الأخذ بالأسباب.

وها قد قيّض الله سبحانه وتعالى لنا الأخذ بالأسباب التي أدت لزوال حكم الطواغيت المستبدين، منهم من فر هارباً إلى خارج بلاده، ومنهم من سجن هو وحاشيته ومنهم من قتل هو وابنه وأزلامه وفرمنهم من فر إلى خارج البلاد ليدوقوا مرارة التشرد ومنهم من أحرق وجه وانحسر في زاوية يتجرع مرارة الخذلان ممن خدمهم طيلة عقود وأخلص لهم على حساب شعبه.





المصدر/ إعادة صياغة لموضوع حواري تم بملتقى المهندسين العرب بتاريخ 18/9/2009 م.

http://www.arab-eng.org/vb/t154112.html

الثلاثاء، أغسطس 19، 2014

رحيل معلمي.. Andy MacMillan


د. مصطفى المزوغي


كأن لنهاية الأسبوع الماضي موعدا لرحيل آندي ماكميلان، رجل عرفته في يناير العام 1993، أخذ بيدي في رحلة المعرفة قاربت الثلاث سنوات ونصف، معه عرفت أشياء كثيرة منه وأشياء أكثر عنه

هذا الرجل يملك وحده شرف تأسيس أحد أفضل مدارس التصميم المعماري في المملكة المتحدة عرفت باسم مدرسة ماكنتوش للعمارة، وكان على يقين أنها كانت وستكون دائما “مدرسة آندي” هكذا كان يخبرني مازحا حين حان موعد تقاعده.

ذات يوم لفت انتباهي تجمع طلابي بقاعة المحاضرات، بدا لي وكأنه تظاهرة جمعت كل طلاب مدرسة ماكنتوش، فاقتربت لأتبين الأمر فكان الكل في حالة ترقب وانتباه لأحد أجمل وأقوي محاضرات آندي ماكميلان حول مدينته جلاسكو، وكيف يراها، لم أملك بعد هذه المحاضرة التي دونت عديد المقتطفات منها إلا القرار لحضور كل محاضراته التي كان يلقيها على مسامع طلبة السنة الأولى في مقرر تاريخ العمارة وأنا الدارس لدرجة دكتوراه الفلسفة، فكان أن ابتسم لي في أول مرة وأستمر في محاضرته.

ثاقب الرؤيا، حاد القراءة، لا يجامل ولا يدعي، حين وددت رأيه عن مشاركتي في مسابقة معمارية لمعلم في لندن، تمعن لبرهة وتمتم عليك بالمشاركة أكثر في المسابقات !، وحين تجاوزت مرحلة متعمقة في رسالة الدكتوراه حينما واجهتني عقبة ما، أجابني عن سؤالي بقوله “اليوم انت وحدك من يعرف عن موضوعك فلا تتوقع إجابات لدي” وأدركت معها كنه التخصص.

منذ أشهر كان لي اتصال هاتفي، أسعدني كثيرا وأخبرته أنني أدرجت بكتابي (حوار على هامش نظريات العمارة) رؤيته في اكتشاف العمود في تاريخ العمارة.. قهقه ضاحكا بصوته المميز معلقا “نعم أتذكر ذلك”.

في أحدى رحلاتي معه، همس لي ” مصطفى على المرء دائما أن يتعلم فن الحياة”..

رحل آندي وتبقى أعماله وأقواله، سيرته كمحارب اسكتلندي قوي وشجاع كريم محب ومعطاء للعمارة والإنسانية على حد سواء.





Has Andy already left ?
As if the end of last weekend, is the date for the departure of Andy MacMillan to his eternal life. A man I knew in January 1993, when guided me in a journey of knowledge for a nearly three and a half years. I learned many lessons from him and more about him.
Andy MacMillan, alone, has the honor of establishing one of the best architectural design schools in the United Kingdom known as the Macintosh School of Architecture, it will always be, “Andy’s School”, Humorously he told me, when it was time for his retirement.
One day, in the crit space at MAC school, I noticed the gathering of students seemed to me like all the students of the school Macintosh were there, all-in a state of alert and attention. I came closer and realised that it was one of the most beautiful and the knowledgeable lectures by Andy MacMillan about his hometown of Glasgow.After the lecture, I have decided to attend all the lectures by Andy, even the ones delivered to the first-year students in the history of architecture .

Visionary, and sharp reader, he was.
Months ago I had a phone call with Andy, and I told him that I hereby incorporated in my book “A dialogue on the margins of Architectural theories” his view of the discovery of the column in the history of architecture .. he giggled in his  distinctive voice, laughing, commenting, “Yes, I remember that.”

In one of my trips with him, Andy whispered to me, “Mustafa .. one has to learn the art of life” ..

Andy is gone and left behind him a rich journey of life and deeds. He was a Scottish warrior, strong, brave and generous to architecture and humanity. God bless his sole



المصدر/ http://mustafamezughi.wordpress.com/

الثلاثاء، أغسطس 12، 2014

شخصيات ومعالم




الأسطى عبدالسلام محمد القروي


أ‌.        مصطفى حقية

إطرابلس المدينة الخالدة خلود الزمن، الحاضرة دائما في ذاكرة التاريخ، الملهمة للمبدع والفنان في كافة المجالات صنعت حضارة تتحدث باسمها. مرت بها عهود وحقب تاريخية تأثرت وأترث في حضارة البحر المتوسط وكانت احد عناصره الرئيسية .

اشتهرت بمعمارها الذي حاكى التاريخ، فتنوع هذا المعمار بتنوع الفترات الزمنية، فكانت العمارة المحلية، ثم أساليب العمارة المختلفة تبعا لكل مرحلة تاريخية . تحفظ هذه المدينة بوفاء نادر إبداعات ابنائها اللذين بدلوا الجهد في الحفاظ على كيانها المعماري والابتعاد عن تشويهه وطمسه.

فكان الأسطوات، اللذين بإبداعهم وحرصهم على مدينتهم، قاموا بصيانة العديد من الحياش والأزقة والأسواق والفنادق والجوامع وبيوت العلم. ومن هؤلاء شخصية عاشت بين جدران المدينة القديمة أكثر من (90 عاما) هو الأسطى عبدالسلام محمد القروي، من مواليد (إطرابلس 1889 م). وأقام طوال حياته بالمدينة القديمة بزنقة العربي المعروفة أيضا بزنقة (القاجيجي) بمحلة كوشة الصفار .

بدأ الأسطى عبد السلام القروي رحلته مع البناء والصيانة منذ طفولته مع أخويه أحمد ومصطفى اللذين مارسا نفس المهنة. توفي والده محمد القروي فكفله عمه محمود القروي، والد الحرفي المبدع بشير القروي والذي لقب ب(العبارة )، التي كانت تعني تفوقه في حياكة الاردية بخطّاتها المتنوعة الجميلة .

الأسطى عبدالسلام محمد القروي

كان الأسطى عبدالسلام القروي يتمتع بخيال واسع فشيد البيوت، دون أية استعانة بخريطة انشائية أو ما شابه ذلك حيث قام ببناء مجموعة من الحياش في منطقة باب البحر ومنها المنزل المقام من دورين بجانب عمارة الوحيشي. إعتماداً على خبرته ومعرفته الدقيقة بطبيعة الأرض وخصائصها، مع مراعات الطراز المعماري المتعارف عليه في المدينة القديمة .

رمم العديد من الجوامع والزوايا والحياش والفنادق إلاَ أن كتابة اسم المرمم لم تدون على واجهات هذه المعالم في ذلك الوقت، والاَ لكان اسم عبدالسلام القروي منحوتا في العديد من هذه البناءات .

طلب منه العمل في مدينة زوارة بعد الحرب العالمية الثانية، فقام ببناء بعض المباني، التي لايزال بعضها موجودا إلى الآن. وهي ملك لبعض الأسر في المدينة. ومنها أسرة بن شعبان وأسرة العزابي وأسرة العطاطشة . كما بنى جامعا في زوارة وآخر في الجميل. وكان بناؤهما ابداعا رائعا تجلى في مفردات العمارة المحلية .

تعلم على يديه العديد من البنَائين والمرممين ومنهم من واصل دراسته وتحصل على الشهادات العليا في مجال الهندسة المدنية. ونذكر منهم الدكتور لطفي عبدالسلام القروي، الذي تحصل على شهادة الدكتوراه من الولايات المتحدة الامريكية.

وبعد رحلة طويلة استمرت (93 عاما) انتقل الأسطى عبدالسلام القروي إلى جوار ربه في(22 ديسمبر 1982 م)، تاركا جهداً وتراثاً وابداعاً نعتز به ونقدره .

إن الوفاء لهؤلاء المبدعين هو أن نذكر بكل فخر أعمالهم وما بذلوه من جهود للحفاظ على المدينة التاريخية ولولاهم لما بقيت صامدة ولما تصدت لمحاولة المسخ والتشويه.



المصدر/ صفحة أ. مصطفى حقية، على الفيسبوك.



الاثنين، أغسطس 04، 2014

متابعات


الملتقى الاول للتخطيط العمراني

تحت شعار
(مستقبل التخطيط العمراني في ليبيا)
في الفترة 12-13 / 08 / 2014



الأربعاء، يوليو 30، 2014

تجذير مفهوم العمارة المحلية


جمال اللافي


أذكر في هذا السياق موقفا تعرضت له في أحد مشاريعي التصميمية خلال فترة دراستي بقسم العمارة والتخطيط العمراني، يتعلق بتصميم مشروع نادي رياضي بمدينة ترهونة (وهي مدينة ريفية جبلية). وقد استوحيت الطراز المعماري لهذا النادي من العمارة الغدامسية (غدامس مدينة صحراوية تميزت بخصوصية عمارتها المحلية)، من منطلق أن مدينة ترهونة لا تملك أي عمارة أو طراز مميز.

ولأنني حريص على أن أختم جميع مشاريعي بوسم العمارة المحلية، فكان اجتهادي أن اقتبس من هذا الطراز المعماري الغدامسي لتعويض هذا الافتقار لنمط معماري مميز، الذي تعانيه مدينة ترهونة. وعند عرض مشروعي للمناقشة أمام أستاذ المادة. أبدى هذا الأستاذ رفضه لفكرة الاقتباس من العمارة الغدامسية وطالبني بالبحث عن عناصر ومفردات تمتاز بها مدينة ترهونة واستخدامها في مشروعي هذا. فأخبرته بأن هذه المدينة تفتقر لأي ملامح معمارية يمكن إدراكها والتعاطي معها. فأصرّ على أن أبذل جهداً أكبر في البحث. فقلت له مغاضبا، عندما يستوحي الطالب من عمارته المحلية، تضعون أمامه كل العراقيل. أمّا عندما تأتي مشاريعه مغتربة عن واقعه، فلا تتأخرون في كيل عبارات الثناء والتشجيع له ودعمه ليستمر على هذا النهج. فلم يزد عن القول، ابحث أكثر وستجد.

وخلال فترة العطلة الصيفية، جلست يوما لأعيد التفكير في هذا الأمر، وبدأت أطرح على نفسي بعض التساؤلات حول إمكانيات أن أجد في مدينتي ترهونة أي ملمح لعمارة تخصها. وانطلقت من بيت جدي الواقع على مشارف مدخل المدينة، المكون من دور أرضي (لديه بيت آخر في نهاية المزرعة لا يختلف في نمطه عن بيوت مدينة طرابلس القديمة). فكانت البساطة في الكتلة مع بعض المفردات المتعلقة بشكل النوافذ والأبواب التي لا تختلف عنها في البيوت الطرابلسية مع التبسيط والتجريد. ولكن ظهر أمامي نسق مختلف في توزيع الفراغات، حيث يبدأ الدخول للبيت عبر حديقة صغيرة مسورة ومبلطة. جزء منها مسدى بدالية عنب، وتسمى هناك "لايده"، وبها مدخل جانبي يؤدي إلى غرفة الضيوف، للتخديم عليهم (وهي تفتح مباشرة على واجهة الشارع). ومدخل رئيسي يؤدي إلى داخل البيت، حيث تتوزع فراغات البيت على جانبي ممر يؤدي إلى حديقة خلفية أكبر، مسورة ومزروعة ببعض أشجار الفواكه وتحتوي على حضيرة للدواجن وبرج للحمام. وبها باب صغير يؤدي إلى المزرعة. وهذا النمط من البيوت تكرر داخل مركز هذه المدينة وفي أطرافها بصورة ملفتة للنظر. (للأسف جميع هذه البيوت هدمت في فترة مبكرة بعد انقلاب 69).

بيت جدي

وكان هذا بداية لإيجاد نمط لنموذج بيوت الضواحي والأرياف، الذي صممت منه مجموعة متنوعة، تم تنفيذ إحداها بمنطقة السبعة بضواحي مدينة طرابلس وآخر بضاحية مدينة الخمس واثنان بضواحي مدينة مصراته (أحدهما نفذ والآخر لا أدري عنه شيئا).



مثلما كانت هذه بداية لإعادة تقييم نظرتي لمسألة تأصيل العمارة المحلية، بحيث بدأت بالأخذ بعين الاعتبار مفهوم اختلاف التوزيع الفراغي في عمارتنا المحلية، تبعا لاختلاف البيئة الجغرافية والمناخية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية بين المناطق والمدن الليبية. وعدم الاكتفاء بالنظر إلى مفرداتها المحلية. ومراعاة هذه الاعتبارات عند تصميم أي مشروع معماري، بغض النظر عن طبيعته.

الاثنين، يوليو 28، 2014

تهنئة بعيد الفطر المبارك

نستقبل هذا اليوم بشائر عيد الفطر المبارك للعام 1435 هـ، مكللة ببشائر النصر لثوار ليبيا على عصابات المقبور وأزلامه. وبشائر النصر لثوار فلسطين المحتلة على العصابات الصهيونية. وبشائر النصر لثوار العراق على عصابات المجوس، ونسأل الله، أن يكللها بانتصارات إخواننا ثوار سوريا على العصابات العلوية وحزب الشيطان الشيعي.

ونسأل الله العلي القدير، أن يعيده علينا دائماً وأبداً مكللاً بالانتصارات للأمة الإسلامية. وأن يعمها بالخير واليمن والبركات. وأن يمكن لها في الأرض، حتى يسود عدل الإسلام كل الشعوب، بعد أن عمها الفساد والظلم، تحت راية العلمانية والإلحاد.

وكل عام والأمة الإسلامية قاطبة بخير

مشرف المدونة

الاثنين، يوليو 21، 2014

العمارة العربية المعاصرة... بين التأصيل والاقتباس

نموذج لعمارة سلطنة عمان

هذه المراسلة هي واحدة من عدة مراسلات تلقيتها من إخوة أفاضل ببعض الدول العربية، تطلب مني تصميم بيت لهم، وقد كنت أرد بالرفض بناءً على عدة منطلقات عرضتها عليهم.

أحببت اليوم، أن أعرضها عليكم، وصلتني من أخٍ فاضل من سلطنة عُمان، تصب في نفس الموضوع. وقمت بالرد عليها بالرفض من نفس المنطلقات.

وما استدعى مشاركتكم ما دار فيها من حوار، هو التطرق إلى إحدى الاشكاليات التي تعترض العمارة المحلية بالمدن العربية خلال السنوات الأخيرة الماضية من محاولات تتجاذب المساعي بين التأصيل والاقتباس من عمائر دول أخرى، قد تتقارب في ثقافتها وقد تتباعد المسافات بينها، مثلما تتباعد الأماكن التي يتم استيراد تلك العمائر منها، لتحل ضيفة على إحدى المدن الأخرى، فتبدو من وجهة نظر البعض إثراءً. ومن وجهة نظر أخرى تعدي وانتهاك لخصوصية العمارة المحلية بتلك المدينة.

وهذا مضمون الحوار، الذي دار عبر مراسلاته معي:

الأخ العُماني:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تحية طيبة مباركة وبعد،

أخي العزيز، كم أحمد الله، أن تعرفت على موقعك. ولعلني أجد بغيتي عندك. والتي هي، أنني أبحث عن شخص مصمم لبيت تراثي على الطراز المغربي الجميل راجيا أن أجد طلبي عندك.

أرجو الرد على البريد لتأكد من وصول بريدي، لأتمكن من التواصل معك وشرح التفاصيل.

جمال اللافي:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم.

في حالة كونك من أبناء المغرب الشقيق، فأنصحك أن تستعين في تحقيق طلبك بالمكاتب المعمارية المتوفرة بدولتكم الموقرة، المملكة المغربية. لأنهم أدرى بهذه العمارة وأصولها. وبالنسبة لي لا أحبذ تصميم أي مسكن أو أي مبنى خارج ليبيا، احتراماً مني للزملاء هناك. ولقناعتي بأن أهل مكة أدرى بشعابها.

أما في حالة كونك من ليبيا، وتريد تصميماً على الطراز المغربي، فأعتقد أن عندنا من الطرز المعمارية المحلية ما يغنيك عن البحث عن طرز معمارية من خارج ليبيا، لا تعبر لا عن ثقافتنا ولا عن أصالتنا. ولست مستعداً لتقبل طلبك هذا، لأنه يتعارض مع مبادئ في احترام عمارتنا المحلية.

تمنياتي لك بالتوفيق.

الأخ العُماني:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخي العزيز

أشكرك في البداية على ردك لرسالتي. وقد أسعدني ذلك كثيرا.

أنا من سلطنة عُمان أخي العزيز ولست من المغرب العربي. وأعني بالطراز المغربي (ليبيا والمغرب وتونس)، التي تتميز بيوتهم بالجمال. وهي نسخة أكثر أناقة وجمالاً من البيوت الأثرية، التي تشبهها عندنا غير أن البيوت هناك أكثر جمالا.

نمط العمارة المحلية في سلطنة عُمان
أعيش وسط واحة خضراء، ضمتها اليونسكو لقائمة التراث المعماري. لا يسمح لنا بالبناء على الطرق الحديثة. وحدث تشويه كبير للطراز القديم بسبب هذا القرار وبسبب أن الناس هنا أغلبهم من ذوي الدخل المحدود ولا يمكن أن يبنوا كما تريد اليونسكو. وبالتالي خرجت لنا نسخ مشوهة، لا تمتُ للماضي ولا الحاضر بأي صلة.

وأنا أبحث عن طراز، يجمع الماضي بالحاضر، الذي يرضيني. ولم أجد أجمل من البيوت التي بالمغرب وليبيا. وعمارتنا المحلية كما قلت لك نسخة مطابقة لعمارة المغرب العربي. غير أن بيوتكم أكثر جمالاً وسحراً. لهذا أردت منك مساعدتي بكونك خبيراً ومحباً للتراث والبناء القديم. فأرجو توجيهي لأسماء أشخاص ومكاتب تساعدني في تصميم الخريطة. وسأرسل لهم صورة من الحارة القديمة وشكل البيوت.

ولمزيد من فهم الواقع وتخيله أرجو البحث في جوجل إرث عن ولايتي ( ولاية ... ) سلطنة عُمان – لتصل إليك الفكرة بوضوح وأبحث عن الحارات في عُمان، ستجد أشكالها وألوانها وطريقة بنائها.

سامحني، أن ألح عليك بالطلب، لأنه لن يفهمني، إلا رجل له حس تراثي مثلك. فأرجو منك توجيهي وتقديم المشورة والدعم بتحديد مكتب أو رقم شخص أو عنوانه، لأتمكن من التواصل معه.

وأكرر آسفي لهذا الإزعاج.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جمال اللافي:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، ومرحبا بأهلنا وإخواننا في سلطنة عُمان.

بدايةً، أشكرك أخي الكريم، على هذه الثقة، التي حظيت بها من طرفكم، لأنال شرف هذه التزكية الكريمة لشخصي.

وبعد،
ما أعرفه أيضا عن سلطنة عُمان، أنها من الدول القليلة التي، إلى جانب إرثها العمراني المتميز جداً، فهي أيضا لها تشريعاتها وقوانينها، التي تحمي وتحافظ على هذا الموروث من التعدي عليه، كذلك فهي تؤسس لعمارة عُمانية تربط الأصالة بالمعاصرة في مشاريعها العمرانية والمعمارية الجديدة. وما تفضلت بذكره أمر جديد لم أعلمه إلاّ من خلالك.

وسؤالي نفسه سيتكرر معك: أليس لديكم مكاتب معمارية ومعماريون عُمانيون قادرون على تحقيق ما تصبون إليه؟
 
مشهد لعمارة سلطنة عُمان المعاصرة

فمسألة تحقيق عمارة ناجحة في أي بقعة من الأرض يحتاج لمعايشة تلك البيئة واستيعاب قيمها ومؤثراتها وطبائع أهلها وعاداتهم واحتياجاتهم وتطلعاتهم. بل واستنكاه روحها الكامنة فيها، هذه الروح، التي تميز عمارة عن أخرى وتعطيها خصوصيتها ونكهتها. وليس أقدر على فعل ذلك من أهلها من ذوي الاختصاص.

والأهم من ذلك، آلا تعلم أخي الفاضل، من خلال اطلاعي على صور لولايتك، يبدو واضحا أن لديكم عمارة عُمانية متميزة جداً، تجمع بين البساطة والجمال وخصوصية التفاصيل المعمارية والفنية والزخرفية.

فلماذا تبحث عن جمال العمارة عند غيركم. وعندكم منها أكداس مكدسة؟

أخي الكريم ، مادام مبدئي يمنعني من التطفل على عمارتكم، فلا يعقل أن أدعو غيري لفعل ذلك. ولكن لي سؤالين:
·                   لماذا تصر على التواصل مع مكاتب من خارج سلطنة عُمان؟ ولماذا لا تستعين بمكاتب من عندكم، حتى لو استدعى الأمر أن تطرح عليهم نفس ما طرحته علي من رغبتك في الاستفادة من العمارة المغربية وتطبيقها على مشروعك هذا؟
·                   هل للأمور المادية دخل في ذلك؟ أم هو انعدام ثقة في المعماري العُماني وقدرته على تحقيق متطلباتك بالصورة التي تريدها وتتوقعها؟

لو كان للأمور المادية، دخل، فأحب أن أخبرك أن الأسعار في ليبيا ليست بالهينة في مثل هذه المشاريع.

أما إذا كانت المسألة تتعلق بانعدام ثقة في المعماري العماني، فهذه المشكلة يعاني منها أيضا المعماري في ليبيا وفي كل بلاد العرب. هي عقدة متأصلة فينا جميعاً، أطلق عليها اصطلاحا "عقدة الخواجة". تجعلنا نرفض القريب ونزدريه ونبحث عن البعيد ونعلي من شأنه، دون مبرر منطقي أو تجربة واقعية. ولا أريد هنا أيضاً، أن أساهم في ترسيخها في نفسيتك، تجاه زملائي وإخواني المعماريين العُمانيين. فأسمح لي أن أجدد اعتذاري لك عن عدم رغبتي في مشاركتك في أمر أراه يتعارض مع مبادئي وقناعاتي.

تمنياتي لك بالتوفيق أخي الكريم، وأن تجد مرادك عندكم في عمارة سلطنة عُمان وفي المعماريين العُمانيين الأكفاء.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

انتهى الحوار على هذا.


تعقيب/
هذا الحوار يقودنا إلى طرح آخر، عن دور كليات العمارة وأيضا كليات الفنون الجميلة والتطبيقية، في تأهيل الكوادر المعمارية المؤهلة للتعاطي مع بيئتها المحلية بكل اقتدار. مثلما يقودنا إلى الحديث حول مبررات أن تقوم الدولة أيضا بتكليف المكاتب الاستشارية العالمية بتصميم وتنفيذ المشاريع في ليبيا أو غيرها من الدول العربية، وهي التي أسست هذه الجامعات ومؤسسات التخطيط العمراني وصرفت عليها الأموال الطائلة. ثم توكل مشاريعها العمرانية إلى شركات ومعماريين أجانب، متجاهلة إتاحة الفرصة لقدراتها المعمارية المحلية.

أذكر في هذا السياق حالة احتجاج أطلقها الدكتور محمود دازه (عضو هيئة تدريس بقسم العمارة والتخطيط العمراني)، عندما كنا نحضر معرضاً لمشاريع معمارية لتصميم الجامعات الليبية، أوكلت مهمتها كلها لمكاتب معمارية أوروبية، قائلاً: لماذا يتجاهلون المكاتب المعمارية المحلية؟

هي صرخة "لو صدّقها الواقع"، لكانت أجدى بأن تقام حولها الندوات وحلقات النقاش، لتدارس الأسباب التي تستدعي من الدولة تجاهل معماريها ومؤسساتها الهندسية بكوادرها المحلية والمكاتب الليبية المعمارية الخاصة.

من أغراض العولمة، أنها تشجع مسألة الاستعانة بالعناصر الأجنبية بين الدول، كأفراد ومؤسسات وشركات، بحجة الاحتكاك والاستفادة من خبرتهم. وهو أمر من حيث المبدأ لا غبار عليه، لو كان هناك فعلا اتاحة فرصة للعناصر المحلية بالاحتكاك بهذه الخبرات والاستفادة من تجربتها.

ولكن منهج العولمة، يقول، بأن رؤوس الأموال، يمكنها أن تشتري من تريد، لتحقيق ما تريد، بالطريقة التي تريدها، دون اعتبار لمسألة الضرر والمنفعة، التي قد تلحقها بمحيطها البيئي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي، بل وتتمادى إلى عدم وضع أي اعتبار للمسألة الأخلاقية في أي موضوع أو تعامل. وهذه حقيقة قد تكون غائبة عن الكثيرين.

وبالتالي لم نرَ أيّ استفادة حقيقية للعناصر المحلية لتلك الدول التي قبلت بمنطق العولمة وتعاملاتها، من مسألة التعاطي مع الخبرات الأجنبية. بل رأينا أن الشركات المعمارية الأجنبية تقوم بتصميم مشاريعها في مكاتبها الأم في بلدانها وبكوادرها. ثم يتم تنفيذ هذه المشاريع وخصوصا الكبرى من خلال شركات أجنبية وبعمالة فنية ماهرة أجنبية، والناتج على أرض الواقع مشروع يستفيد منه مموله والعناصر التي تشغله. وقد أصبحت هي أيضا أجنبية (ليست من سكان البلد).

وفي سياق هذا الموضوع، كمثال حي على ما طرحته في المقدمة، المطلوب مني، أن أصمم بيتاً لا ينتمي لتلك البيئة، من خلال مكتبي في مدينة طرابلس وتسليم الخرائط جاهزة لمالك المشروع. بعد قبض الثمن، لتنتهي العلاقة أو تستمر مع مشاريع جديدة أخرى. وهنا قد يكون الأمر مجدي بلا شك لمن يبحث عن الكسب المادي، دون سواه.

ولكن كيف يكون الحال لو نظرنا إلى المكاسب، التي ستعود على سكان تلك المنطقة من العالم العربي. حيث لن نجد غير مبنى مقام لا يعبر عن بيئته، مهما كانت جمالياته. وقد يواجه بحملة استنكار من عقلائهم؟

فهل ستكون رائحة المال أقوى تأثيراً على المعماري من صرخات الاستهجان تلك، التي تصدر عن مثقفيها وحماة تراثها وقيمها؟

أنا هنا، أحاول أن أوصل رسالتين:

الأولى/ تتعلق بالهوية والثقافة. وهنا لن أنسَ إصرار غالبية المعماريين الليبيين على أن العمارة حالة ثقافية. فأذكرهم بأن لا يناقضوا أنفسهم. وأن لا تتحول العمارة بذلك إلى حالة مصلحية أو مادية صرفة.

والثانية/ تتعلق بمسألة التصميم من خلال المعايشة اليومية والحقيقية للبيئة المراد التصميم فيها. فهل تكفي زيارة عابرة مهما طالت مدتها، فهي لن تتجاوز الشهر أو الشهرين أو حتى السنة؟

ثم هل تكفي بعض الزيارات وإجراء بعض الدراسات عن تلك البيئة ليستوعب المعماري حقائق الوجود لسكان تلك البيئة. مشاعرهم وأحاسيسهم ونبض عروقهم وأحلامهم وتطلعاتهم وآمالهم وآلامهم ومعاناتهم وشغفهم واهتماماتهم. فهذه الأشياء لا يمكن دراستها في يوم وليلة. بل هي تولد مع إنسان تلك البيئة وتكبر معه وتتفاعل مع جيناته وتصبح كيان حي يمشي على وجه الأرض.

فهل يستطيع المعماري الغريب عن تلك البيئة اختزالها في دراسة، يقال عنها معمقة وجادة وعلمية ومنهجية؟

أم أن المعماري سيكتفي ببعض الحقائق المعمارية العلمية التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند تصميم مشروع مثل (شكل قطعة الأرض وأبعادها/ مسارات الحركة والمداخل/ اتجاه الشمال/ حركة الشمس/ العلاقات الوظيفية والمساحات المطلوبة... إلخ)، ثم يبدأ في عملية التصميم المعماري ويصطنع لما يصل إليه من حلول، مبرراتها ليقنع الطرف الآخر بها!؟

نحتاج في ظل هذه الظروف، التي خرجت فيها البلاد من احتكار الفرد الواحد لزمام كل الأمور في بلادنا، أن نعيد ترتيب البيت المعماري الليبي وفق أسس علمية ومنهجية ليتحمل مسؤولياته في تصميم وتنفيذ المشاريع العمرانية والمعمارية بالاستعانة بمكاتبه وكوادره المحلية. والدعوة إلى أن تتحمل الدولة أيضا مسؤولياتها في دعم بناء شركات مقاولات ليبية قادرة على تنفيذ هذه المشاريع وفق مواصفات الجودة العالمية. وتجهيزها بالمعدات والآليات والكوادر الفنية المحلية المدربة تدريبا عالياً وليس صورياً.

أعود لصرخة الدكتور محمود دازه تلك:
·                    أين دور كوادرنا المحلية في المشاريع التي تقام في ليبيا؟

وأزيد عليها:
·                    ما هو مستقبل العمارة الليبية، في ظل إرهاصات العولمة وسيطرة الشركات الأجنبية الكبرى على مشاريع التنمية في العالم؟

·                    أين دور كليات العمارة والفنون في صياغة مناهج علمية تؤهل المعماري الليبي والمصمم الداخلي والمصمم الصناعي ومنسق المواقع ليكون أكثر قدرة وكفاءة وتنافسية مع الآخر وأكثر استيعاباً لمتطلبات بيئته المحلية؟