أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الاثنين، يوليو 21، 2014

العمارة العربية المعاصرة... بين التأصيل والاقتباس

نموذج لعمارة سلطنة عمان

هذه المراسلة هي واحدة من عدة مراسلات تلقيتها من إخوة أفاضل ببعض الدول العربية، تطلب مني تصميم بيت لهم، وقد كنت أرد بالرفض بناءً على عدة منطلقات عرضتها عليهم.

أحببت اليوم، أن أعرضها عليكم، وصلتني من أخٍ فاضل من سلطنة عُمان، تصب في نفس الموضوع. وقمت بالرد عليها بالرفض من نفس المنطلقات.

وما استدعى مشاركتكم ما دار فيها من حوار، هو التطرق إلى إحدى الاشكاليات التي تعترض العمارة المحلية بالمدن العربية خلال السنوات الأخيرة الماضية من محاولات تتجاذب المساعي بين التأصيل والاقتباس من عمائر دول أخرى، قد تتقارب في ثقافتها وقد تتباعد المسافات بينها، مثلما تتباعد الأماكن التي يتم استيراد تلك العمائر منها، لتحل ضيفة على إحدى المدن الأخرى، فتبدو من وجهة نظر البعض إثراءً. ومن وجهة نظر أخرى تعدي وانتهاك لخصوصية العمارة المحلية بتلك المدينة.

وهذا مضمون الحوار، الذي دار عبر مراسلاته معي:

الأخ العُماني:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تحية طيبة مباركة وبعد،

أخي العزيز، كم أحمد الله، أن تعرفت على موقعك. ولعلني أجد بغيتي عندك. والتي هي، أنني أبحث عن شخص مصمم لبيت تراثي على الطراز المغربي الجميل راجيا أن أجد طلبي عندك.

أرجو الرد على البريد لتأكد من وصول بريدي، لأتمكن من التواصل معك وشرح التفاصيل.

جمال اللافي:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم.

في حالة كونك من أبناء المغرب الشقيق، فأنصحك أن تستعين في تحقيق طلبك بالمكاتب المعمارية المتوفرة بدولتكم الموقرة، المملكة المغربية. لأنهم أدرى بهذه العمارة وأصولها. وبالنسبة لي لا أحبذ تصميم أي مسكن أو أي مبنى خارج ليبيا، احتراماً مني للزملاء هناك. ولقناعتي بأن أهل مكة أدرى بشعابها.

أما في حالة كونك من ليبيا، وتريد تصميماً على الطراز المغربي، فأعتقد أن عندنا من الطرز المعمارية المحلية ما يغنيك عن البحث عن طرز معمارية من خارج ليبيا، لا تعبر لا عن ثقافتنا ولا عن أصالتنا. ولست مستعداً لتقبل طلبك هذا، لأنه يتعارض مع مبادئ في احترام عمارتنا المحلية.

تمنياتي لك بالتوفيق.

الأخ العُماني:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخي العزيز

أشكرك في البداية على ردك لرسالتي. وقد أسعدني ذلك كثيرا.

أنا من سلطنة عُمان أخي العزيز ولست من المغرب العربي. وأعني بالطراز المغربي (ليبيا والمغرب وتونس)، التي تتميز بيوتهم بالجمال. وهي نسخة أكثر أناقة وجمالاً من البيوت الأثرية، التي تشبهها عندنا غير أن البيوت هناك أكثر جمالا.

نمط العمارة المحلية في سلطنة عُمان
أعيش وسط واحة خضراء، ضمتها اليونسكو لقائمة التراث المعماري. لا يسمح لنا بالبناء على الطرق الحديثة. وحدث تشويه كبير للطراز القديم بسبب هذا القرار وبسبب أن الناس هنا أغلبهم من ذوي الدخل المحدود ولا يمكن أن يبنوا كما تريد اليونسكو. وبالتالي خرجت لنا نسخ مشوهة، لا تمتُ للماضي ولا الحاضر بأي صلة.

وأنا أبحث عن طراز، يجمع الماضي بالحاضر، الذي يرضيني. ولم أجد أجمل من البيوت التي بالمغرب وليبيا. وعمارتنا المحلية كما قلت لك نسخة مطابقة لعمارة المغرب العربي. غير أن بيوتكم أكثر جمالاً وسحراً. لهذا أردت منك مساعدتي بكونك خبيراً ومحباً للتراث والبناء القديم. فأرجو توجيهي لأسماء أشخاص ومكاتب تساعدني في تصميم الخريطة. وسأرسل لهم صورة من الحارة القديمة وشكل البيوت.

ولمزيد من فهم الواقع وتخيله أرجو البحث في جوجل إرث عن ولايتي ( ولاية ... ) سلطنة عُمان – لتصل إليك الفكرة بوضوح وأبحث عن الحارات في عُمان، ستجد أشكالها وألوانها وطريقة بنائها.

سامحني، أن ألح عليك بالطلب، لأنه لن يفهمني، إلا رجل له حس تراثي مثلك. فأرجو منك توجيهي وتقديم المشورة والدعم بتحديد مكتب أو رقم شخص أو عنوانه، لأتمكن من التواصل معه.

وأكرر آسفي لهذا الإزعاج.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جمال اللافي:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، ومرحبا بأهلنا وإخواننا في سلطنة عُمان.

بدايةً، أشكرك أخي الكريم، على هذه الثقة، التي حظيت بها من طرفكم، لأنال شرف هذه التزكية الكريمة لشخصي.

وبعد،
ما أعرفه أيضا عن سلطنة عُمان، أنها من الدول القليلة التي، إلى جانب إرثها العمراني المتميز جداً، فهي أيضا لها تشريعاتها وقوانينها، التي تحمي وتحافظ على هذا الموروث من التعدي عليه، كذلك فهي تؤسس لعمارة عُمانية تربط الأصالة بالمعاصرة في مشاريعها العمرانية والمعمارية الجديدة. وما تفضلت بذكره أمر جديد لم أعلمه إلاّ من خلالك.

وسؤالي نفسه سيتكرر معك: أليس لديكم مكاتب معمارية ومعماريون عُمانيون قادرون على تحقيق ما تصبون إليه؟
 
مشهد لعمارة سلطنة عُمان المعاصرة

فمسألة تحقيق عمارة ناجحة في أي بقعة من الأرض يحتاج لمعايشة تلك البيئة واستيعاب قيمها ومؤثراتها وطبائع أهلها وعاداتهم واحتياجاتهم وتطلعاتهم. بل واستنكاه روحها الكامنة فيها، هذه الروح، التي تميز عمارة عن أخرى وتعطيها خصوصيتها ونكهتها. وليس أقدر على فعل ذلك من أهلها من ذوي الاختصاص.

والأهم من ذلك، آلا تعلم أخي الفاضل، من خلال اطلاعي على صور لولايتك، يبدو واضحا أن لديكم عمارة عُمانية متميزة جداً، تجمع بين البساطة والجمال وخصوصية التفاصيل المعمارية والفنية والزخرفية.

فلماذا تبحث عن جمال العمارة عند غيركم. وعندكم منها أكداس مكدسة؟

أخي الكريم ، مادام مبدئي يمنعني من التطفل على عمارتكم، فلا يعقل أن أدعو غيري لفعل ذلك. ولكن لي سؤالين:
·                   لماذا تصر على التواصل مع مكاتب من خارج سلطنة عُمان؟ ولماذا لا تستعين بمكاتب من عندكم، حتى لو استدعى الأمر أن تطرح عليهم نفس ما طرحته علي من رغبتك في الاستفادة من العمارة المغربية وتطبيقها على مشروعك هذا؟
·                   هل للأمور المادية دخل في ذلك؟ أم هو انعدام ثقة في المعماري العُماني وقدرته على تحقيق متطلباتك بالصورة التي تريدها وتتوقعها؟

لو كان للأمور المادية، دخل، فأحب أن أخبرك أن الأسعار في ليبيا ليست بالهينة في مثل هذه المشاريع.

أما إذا كانت المسألة تتعلق بانعدام ثقة في المعماري العماني، فهذه المشكلة يعاني منها أيضا المعماري في ليبيا وفي كل بلاد العرب. هي عقدة متأصلة فينا جميعاً، أطلق عليها اصطلاحا "عقدة الخواجة". تجعلنا نرفض القريب ونزدريه ونبحث عن البعيد ونعلي من شأنه، دون مبرر منطقي أو تجربة واقعية. ولا أريد هنا أيضاً، أن أساهم في ترسيخها في نفسيتك، تجاه زملائي وإخواني المعماريين العُمانيين. فأسمح لي أن أجدد اعتذاري لك عن عدم رغبتي في مشاركتك في أمر أراه يتعارض مع مبادئي وقناعاتي.

تمنياتي لك بالتوفيق أخي الكريم، وأن تجد مرادك عندكم في عمارة سلطنة عُمان وفي المعماريين العُمانيين الأكفاء.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

انتهى الحوار على هذا.


تعقيب/
هذا الحوار يقودنا إلى طرح آخر، عن دور كليات العمارة وأيضا كليات الفنون الجميلة والتطبيقية، في تأهيل الكوادر المعمارية المؤهلة للتعاطي مع بيئتها المحلية بكل اقتدار. مثلما يقودنا إلى الحديث حول مبررات أن تقوم الدولة أيضا بتكليف المكاتب الاستشارية العالمية بتصميم وتنفيذ المشاريع في ليبيا أو غيرها من الدول العربية، وهي التي أسست هذه الجامعات ومؤسسات التخطيط العمراني وصرفت عليها الأموال الطائلة. ثم توكل مشاريعها العمرانية إلى شركات ومعماريين أجانب، متجاهلة إتاحة الفرصة لقدراتها المعمارية المحلية.

أذكر في هذا السياق حالة احتجاج أطلقها الدكتور محمود دازه (عضو هيئة تدريس بقسم العمارة والتخطيط العمراني)، عندما كنا نحضر معرضاً لمشاريع معمارية لتصميم الجامعات الليبية، أوكلت مهمتها كلها لمكاتب معمارية أوروبية، قائلاً: لماذا يتجاهلون المكاتب المعمارية المحلية؟

هي صرخة "لو صدّقها الواقع"، لكانت أجدى بأن تقام حولها الندوات وحلقات النقاش، لتدارس الأسباب التي تستدعي من الدولة تجاهل معماريها ومؤسساتها الهندسية بكوادرها المحلية والمكاتب الليبية المعمارية الخاصة.

من أغراض العولمة، أنها تشجع مسألة الاستعانة بالعناصر الأجنبية بين الدول، كأفراد ومؤسسات وشركات، بحجة الاحتكاك والاستفادة من خبرتهم. وهو أمر من حيث المبدأ لا غبار عليه، لو كان هناك فعلا اتاحة فرصة للعناصر المحلية بالاحتكاك بهذه الخبرات والاستفادة من تجربتها.

ولكن منهج العولمة، يقول، بأن رؤوس الأموال، يمكنها أن تشتري من تريد، لتحقيق ما تريد، بالطريقة التي تريدها، دون اعتبار لمسألة الضرر والمنفعة، التي قد تلحقها بمحيطها البيئي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي، بل وتتمادى إلى عدم وضع أي اعتبار للمسألة الأخلاقية في أي موضوع أو تعامل. وهذه حقيقة قد تكون غائبة عن الكثيرين.

وبالتالي لم نرَ أيّ استفادة حقيقية للعناصر المحلية لتلك الدول التي قبلت بمنطق العولمة وتعاملاتها، من مسألة التعاطي مع الخبرات الأجنبية. بل رأينا أن الشركات المعمارية الأجنبية تقوم بتصميم مشاريعها في مكاتبها الأم في بلدانها وبكوادرها. ثم يتم تنفيذ هذه المشاريع وخصوصا الكبرى من خلال شركات أجنبية وبعمالة فنية ماهرة أجنبية، والناتج على أرض الواقع مشروع يستفيد منه مموله والعناصر التي تشغله. وقد أصبحت هي أيضا أجنبية (ليست من سكان البلد).

وفي سياق هذا الموضوع، كمثال حي على ما طرحته في المقدمة، المطلوب مني، أن أصمم بيتاً لا ينتمي لتلك البيئة، من خلال مكتبي في مدينة طرابلس وتسليم الخرائط جاهزة لمالك المشروع. بعد قبض الثمن، لتنتهي العلاقة أو تستمر مع مشاريع جديدة أخرى. وهنا قد يكون الأمر مجدي بلا شك لمن يبحث عن الكسب المادي، دون سواه.

ولكن كيف يكون الحال لو نظرنا إلى المكاسب، التي ستعود على سكان تلك المنطقة من العالم العربي. حيث لن نجد غير مبنى مقام لا يعبر عن بيئته، مهما كانت جمالياته. وقد يواجه بحملة استنكار من عقلائهم؟

فهل ستكون رائحة المال أقوى تأثيراً على المعماري من صرخات الاستهجان تلك، التي تصدر عن مثقفيها وحماة تراثها وقيمها؟

أنا هنا، أحاول أن أوصل رسالتين:

الأولى/ تتعلق بالهوية والثقافة. وهنا لن أنسَ إصرار غالبية المعماريين الليبيين على أن العمارة حالة ثقافية. فأذكرهم بأن لا يناقضوا أنفسهم. وأن لا تتحول العمارة بذلك إلى حالة مصلحية أو مادية صرفة.

والثانية/ تتعلق بمسألة التصميم من خلال المعايشة اليومية والحقيقية للبيئة المراد التصميم فيها. فهل تكفي زيارة عابرة مهما طالت مدتها، فهي لن تتجاوز الشهر أو الشهرين أو حتى السنة؟

ثم هل تكفي بعض الزيارات وإجراء بعض الدراسات عن تلك البيئة ليستوعب المعماري حقائق الوجود لسكان تلك البيئة. مشاعرهم وأحاسيسهم ونبض عروقهم وأحلامهم وتطلعاتهم وآمالهم وآلامهم ومعاناتهم وشغفهم واهتماماتهم. فهذه الأشياء لا يمكن دراستها في يوم وليلة. بل هي تولد مع إنسان تلك البيئة وتكبر معه وتتفاعل مع جيناته وتصبح كيان حي يمشي على وجه الأرض.

فهل يستطيع المعماري الغريب عن تلك البيئة اختزالها في دراسة، يقال عنها معمقة وجادة وعلمية ومنهجية؟

أم أن المعماري سيكتفي ببعض الحقائق المعمارية العلمية التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند تصميم مشروع مثل (شكل قطعة الأرض وأبعادها/ مسارات الحركة والمداخل/ اتجاه الشمال/ حركة الشمس/ العلاقات الوظيفية والمساحات المطلوبة... إلخ)، ثم يبدأ في عملية التصميم المعماري ويصطنع لما يصل إليه من حلول، مبرراتها ليقنع الطرف الآخر بها!؟

نحتاج في ظل هذه الظروف، التي خرجت فيها البلاد من احتكار الفرد الواحد لزمام كل الأمور في بلادنا، أن نعيد ترتيب البيت المعماري الليبي وفق أسس علمية ومنهجية ليتحمل مسؤولياته في تصميم وتنفيذ المشاريع العمرانية والمعمارية بالاستعانة بمكاتبه وكوادره المحلية. والدعوة إلى أن تتحمل الدولة أيضا مسؤولياتها في دعم بناء شركات مقاولات ليبية قادرة على تنفيذ هذه المشاريع وفق مواصفات الجودة العالمية. وتجهيزها بالمعدات والآليات والكوادر الفنية المحلية المدربة تدريبا عالياً وليس صورياً.

أعود لصرخة الدكتور محمود دازه تلك:
·                    أين دور كوادرنا المحلية في المشاريع التي تقام في ليبيا؟

وأزيد عليها:
·                    ما هو مستقبل العمارة الليبية، في ظل إرهاصات العولمة وسيطرة الشركات الأجنبية الكبرى على مشاريع التنمية في العالم؟

·                    أين دور كليات العمارة والفنون في صياغة مناهج علمية تؤهل المعماري الليبي والمصمم الداخلي والمصمم الصناعي ومنسق المواقع ليكون أكثر قدرة وكفاءة وتنافسية مع الآخر وأكثر استيعاباً لمتطلبات بيئته المحلية؟





الأربعاء، يوليو 16، 2014

تأملات في المعمار الليبي



لماذا تفشل العمارة الليبية في تحقيق مشروعها على أرض الواقع، بينما تنجح العمارة في دول أخرى بصورة باهرة وملفتة للنظر؟

·        غياب الرؤية الواضحة أحد أهم الأسباب.
·        ولكن غياب الحرفي الليبي الماهر هو السبب الأهم.
·        كذلك غياب مواد البناء والتشطيب، التي تتوافق مع الطرح المعماري، كان سببا رئيسيا ومؤثرا في تخلف العمارة الليبية وعجزها عن تحقيق حضورها على الساحة المعمارية المحلية والدولية.
·        والأنكأ من كل ذلك، أن التخصصات الهندسية الداعمة، كلها تقف عاجزة- أو بمعنى أصح غير راغبة في الخروج من قوقعتها- لمجاراة فكر المعماري والتعاطي مع التطور الحاصل في مواد البناء وطرق الإنشاء والتقنيات المعاصرة والمستجدة لصالح منجزه المعماري، فظل هذا المنجز حبيس الهيكل الإنشائي والخرسانة المسلحة والحلول البدائية في الصرف الصحي والتكييف والأعمال الكهربائية.


المعماري الليبي بصفة عامة- إذا ما تجاوزنا مسألة الرؤية- لم يقصر في طرح العديد من الأفكار، التي تنوعت اتجاهاتها المعمارية والفكرية. ولكن إنجازه ظل حبيس الأوراق. أما على أرض الواقع فقد عملت الأسباب سالفة الذكر على تحجيم إنجازه إلى أضيق الحدود، فجاءت أعماله باهتة وتفتقر للتأثير على كافة المستويات.

السبت، يونيو 28، 2014

تهنئة


     يتقدم مشرف مدونة الميراث بأحرِّ التهاني للأمة الإسلامية بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك. راجيا من المولى عز وجل أن يهله علينا بالخير واليمن والبركة.

الأحد، يونيو 15، 2014

تنويه

مما يؤسف له أن تأتيني العديد من التعليقات على المواضيع المنشورة بهذه المدونة، باللغة الإنجليزية. وهو مثار استغراب، أن يستوعب القارئ اللغة العربية، المكتوبة بها هذه المواضيع، ثم لا يتكرم بالتعليق عليها بنفس اللغة، التي استوعب بها هذه المواضيع.

وما يزيد الأسف، أن هذه التعليقات تتكرر بنفس الصيغة وعلى نفس الموضوع أكثر من عشر مرات ويزيد. مما يفقدها مصداقيتها. وخصوصا أنها كلها ممهورة بطلب لزيارة مواقعهم أو صفحاتهم. وكأني بمشاركاتهم مجرد غطاء للإعلان عن منتوجاتهم لرواد هذه المدونة أو لأمور أخرى، ليس إلاّ.

ورغم تقديري لكلمات التشجيع والدعم لجهود هذه المدونة، التي جاءت بها هذه التعليقات، إلاّ أن هذه اللغة وهذا الأسلوب وهذا التكرار الممل، أفقد كل الرسائل- رغم كثرتها- الهدف والغاية منها وأخرجها عن سياقها السليم.

سأتجاهل الرد على التعليقات التي تأتيني بغير اللغة العربية.

أما سماحي بنشر هذه التعليقات، فلا يعني أنها وصلتني أو حركت فيَّ ساكناً أو أيّة مشاعر طيبة تجاه مرسليها. وقد تضطرني في مرحلة ما إلى تجاهل نشرها.

عذراً.

السبت، يونيو 07، 2014

تأملات في المعمار


جمال اللافي


هل العمارة قضية وهمٌّ يحمله المعماري على عاتقيه، أم هي مجرد مهنة يحترفها ليتعيّش منها ويمارس من خلالها رغبته في إبراز قدراته الإبداعية على مجاراة أحدث الصرعات في العمارة وتطويع نظم الإنشاء لتحقيق أشكال جمالية متنوعة، وقد تكون الوظيفية آخر ما تعالجه. ومعطيات البيئة المناخية والاجتماعية والاقتصادية آخر ما تفكر فيه. وربما لا تضعه في الاعتبار؟

تحقيقات

مشاهد بؤس وخراب في المدينة القديمة بطرابلس

أين هو المسئول عن معاناة السكان؟




تحقيق  : صابر الفيتوري / محمد القذافي مسعود



v    هل ستنهار المدينة القديمة علي رؤوس سأكنها من الليبيين والأفارقة؟
v    من هم هؤلاء الأفارقة الذين يعشون في جماعات وأفراد؟
v    هل قرر السكان ان يعيشوا في هذا الوضع البائس والغير صحي؟
v    هل حال مدينة طرابلس القديمة مثل غيرها من المدن المتوسطية؟


لا نظن أن من الضروري أن نتطرق  إلى الأهمية التاريخية للمدن القديمة او أنها ارث ثقافي حضارية وجب الحفاظ عليها ذلك شان مفروغ منه لكن لنتفقد حال المدينة القديمة بطرابلس اليوم  وما هي عليه ولنشاهد ونستمع إلى المعنيين كيف يقيمون الآمر ولنوضح أولا أننا ونحن نجري هذا التحقيق ونمر داخل أزقة المدينة القديمة ونحمل جهاز التسجيل وآلة التصور كنا نعرض أنفسنا للخطر فالمشاهد ومناظر الحوائط التي علي شفي الانهيار لا تغري القادم بالمجيء  والسكان الغرباء الذين يقطنون المدينة لو فطنوا لآمرنا ربما كنا سنواجه  مشاكل لا تعد ولا تحصي ولكن ولأننا مدفوعين بآمل ان يكون لعملنا الصحفي هذا اثر لصالح المدينة التي نحبها ونحب أهلها جازفنا نتلفت في كل ثانية حول أنفسنا ويتفقد كلانا الآخر خشية ان يحدث ما لا يحمد عقباه.

 سليمان مبروك بوزيد (37 عاماً):
الحقيقة، سكنت حديثا في هذا المكان، الغير صحي والغير ملائم. لكن أنا لم أتحصل علي أي مكان آخر.

عبد الرؤف قرفال (31 عاماً):
أقوم بإجراء صيانة لبيتي كل سنة، لأنه ملكي وورث من العائلة. ومشروع المدينة القديمة يخبروننا دائما بأن هناك صيانة ستجرى للبيوت وحتى الآن لم نرَ شيئا من هذا الكلام الذي يقال.
ليست لدي مشاكل مع أحد من الجيران وعلاقتي بهم عادية جدا (خير: خير) وأغلب الجيران من السكان الأصليين للمدينة رحلوا عنها.

بالنسبة للأسباب التي جعلت المدينة القديمة على هذا الحال السيئ التي هي عليه اليوم هو وجود الغرباء بها فهم يستأجرون البيوت لفترة ثم يرحلون تاركين خلفهم الإهمال الذي تسببوا به لهذه البيوت وخاصة الأجانب منهم، فلا يهمهم أمر البيوت ولا يحافظوا عليها أو يقومون بصيانتها وهم موجودين بها .

أنا أتمنى الحصول على منزل جديد والخروج من هنا في أسرع وقت ممكن ولكني لا أستطيع شراء منزل بديل لأنه لا قدرة مالية لدي لأستطيع شراء منزل والخروج من المدينة القديمة، أطفالي يكبرون والظروف هنا غير ملائمة للعيش ولتربية الأطفال وتنشئتهم التنشئة الصحيحة، لذلك أرسل أطفالي إلى أخوالهم ليعيشوا ويقضون أغلب الوقت هناك بعيدا عن هذه البيئة الغير صحية والمناسبة لهم وحتى أكون مطمئن عليهم أكثر قمت بتسجيلهم في مدارس قريبة من إقامة أخوالهم في زواية الدهماني  .

وقد حاولنا اكثر من مرة أن نحاور احد الأفارقة الموجودين بالقرب لكنهم كانوا  ينظرون إلينا بنظرة ريبة وامتنعوا عن الحديث وذلك أمر مفسر بالنسبة لنا قد يكون سببها أنهم لا يملكون أي تصاريح للإقامة وأن إقامتهم في حد ذاتها أحد المشاكل التي أصابت المدينة القديمة.


خالد مصطفى ( 40 عاما ): 
أعيش في بيتي في المدينة القديمة منذ سنوات والبيت غير صحي لأنه يحتاج إلى الصيانة والترميم ونفس الشيء  بالنسبة للشارع من ناحية النظافة فالقمامة مهملة وتتراكم بشكل واضح  ونحن نخاف من أن تسبب لنا الأمراض ولأطفالنا الذين لا يجدون مكانا يلعبون فيه نتمنى من الجهات المسؤولة النظر بجدية لما نعيشه داخل المدينة القديمة والاهتمام بالمدينة القديمة لأنها جزء من تاريخ وتراث هذه  البلاد .

أحد المحلات التي يظهر عليها آثار الزمن وتبدو آيلة للسقوط  جعلنا نتمهل في حركتنا متأملينا المعمار بجماليته وتفاصيله ،سألنا صاحبه الذي كان منهمكا في تصفيف بضاعته على الأرفف عن المحل عما إذا كان ملكه أم يعمل به أو مستأجرا له فرد:

عبدالسلام محمد عبدالله ( 34 عاما ) : المحل ملكي وأنا من يعمل به  كما ترون.
وعن الصيانة أخبرنا: كان من المفروض على الجهات المسؤولة أن تبادر بصيانة البيوت والمحلات داخل المدينة القديمة ولكن الصيانة بالمجهود الذاتي ولا يأتون إلينا إلا لحصر السكان فقط، هناك خدمة جديدة لشبكة المياه تجري الآن أما الصيانة فالجميع هنا من الجيران يقومون بأعمال الصيانة كل بمجهوده الفردي، وعن السكان فانه يقول: " أغلب من يسكنون هنا هم من الأجانب وبعضهم من الليبيون العائدون من دول أفريقية وأخرى أجنبية ..( طلب عدم  تصويره أو تصوير محله) .

حسين سالم أخريف (80 عاماً):
عند مرورنا وسط أحد الأزقة لفت انتباهنا شيخا كان يعمل في تصليح الدراجات داخل محل صغير بالكاد يتسع لوجود شخصين اتجهنا إليه لعلنا نجد لديه ما يشفي بحثنا عن حقيقة تعبنا ونحن نجر الخطى خلفها رحب بنا ودعانا للجلوس على صندوق كان موضوع بزواية داخل محله الضيق العتيق، بدأ حديثه بالعودة سنوات مضت  فقال : نحن أصل عائلتنا من زواية الدهماني لكنني نشأت وعشت طفولتي هنا في المدينة القديمة إلى أن كبرت وكونت عائلتي المتكونة من اثنا عشر فردا في هذا البيت الذي ترونه أمامكم ولم أخرج منه رغم حاجته للصيانة ، سألناه عمن يقوم بصيانة بيته ؟ فأجاب : ( بفلوسي عندي تفتوفة ) قمت بصيانة بيتي بمجهودي ودائما أجري صيانة كاملة للبيت كلما توفرت الإمكانيات لذلك،  وأستمر يحكي لنا عن اختلاف الوضع والناس في المدينة القديمة بين الماضي والحاضر حيث قال : أنا منذ 1952 هنا الليبيين الأصليين هنا رحلوا عن المدينة والحنية والمحبة بين الناس اختلفت ولم تعد هناك حنية بينهم مثل أيام زمان ، ما زلت هناك بعض الألفة والتواصل ولكن كما قلت ليست كأيام زمان من هو حالته المادية جيدة رحل عن المدينة ومن حالته المادية لا تسمح بذلك مثلنا فقد بقي على حاله ، وأغلب الذين يعملون بالتجارة هنا مصريين وأفارقه ، وبالنسبة لي فصنعتي هي إصلاح الدراجات من الأصل أي من زمان وعملت في الميناء في المخازن " مخزنجي " وبعد ذلك تقاعدت ولكن دخلي ضعيف وأبنائي الآن ( 11 ) إحدى عشر عدا ابني الذي تزوج وخرج من البيت وحتى في برنامج الثروة لم يتم قبولي .

علي ضوء الغزاوي:
عمي علي أو هكذا ينادونه السكان ألتقيناه وهو يستعد لدخول المسجد لأداء صلاة العصر فطلب منا أن نرجئ الحديث إلى ما بعد الانتهاء من الصلاة  وتجدد لقاءنا به  بعد الصلاة  أمام المسجد بدأ حديثه عن الناس في المدينة القديمة والعائلات ممن كانوا يعيشون هنا في شوارع وأزقة المدينة من قبل فقال : منهم من توفاه الله ومنهم من رحل إلى مكان آخر ومن بقي هنا من العائلات عددهم قليل ولا زلنا نعيش مع بعضنا متجاورين ومتحابين كما كنا من قبل نقف مع بعضنا البعض في الأفراح والأتراح ، أنا أعيش هنا مع أبنائي الخمسة وأغلبهم تزوجوا وخرجوا إلا أبن واحد تزوج وظل يعيش معي في نفس البيت ولي أبن آخر يعيش في بيت لوحده في المدينة القديمة ولكن البيت يكاد يسقط عليه لأنه يحتاج إلى صيانة وترميم

وهنا سألته عن الصيانة والترميم فأجاب: نحن من نقوم بصيانة بيوتنا بأنفسنا والمشروع لم يقد لنا شيئا أخبرونا ثلاث مرات بأنهم سيقومون بصيانة البيوت ولم نرى شيئا من كلامهم يتحقق حتى ولو تجولتم داخل المدينة ستشاهدون المباني والبيوت التي تحولت إلى خراب بسبب الإهمال وعدم الاهتمام ، لا أحد يهتم لأمرنا هنا ، اللجنة الشعبية يخدمون أنفسهم ، والجهاز حيثما وجد شئ جيد أخذه وقام ببيعه البعض منهم دخل حافيا وخرج " يلبس حذاء "  لا أحد منهم يهتم والكثير من الليبيين يسكنون هنا داخل بيوت مهددة بالسقوط في أية لحظة والمشروع يقوم بإيواء الأجانب في البيوت الجيدة المفروض عليهم أن يطرقوا أبوابنا ويسألونا عن أحوال بيوتنا وما إذا كانت تحتاج للصيانة والترميم أم لا ..؟ لا أن يتجاهلونا ويتجاهلوا وجودنا ، وأنا وأتمنى لو لم ينشؤوا هذا الجهاز " الأغبر " ( يقصد جهاز إدارة المدينة القديمة ) لأن الجهاز " خدم على نفسه " يسمسرون في المدينة القديمة وأنا مستعد لقول هذا الكلام في أي مكان .


       ومن اجل ان نحيط الموضوع برأي احد المهندسين المعماريين والذين كانوا يعون ما يحدث للمدينة القديمة قابلنا مع:

الأستاذ/ جمال اللافي- مهندس معماري:
بالنسبة لي لن أتحدث فقط عن مدينة طرابلس القديمة ولكن سأتحدث من خلالها، وتعليقي على سؤالك يشمل في طياته كل المدن القديمة في ليبيا، وذلك لأنني أرفض جملة وتفصيلا اختزال تاريخ وثقافة ليبيا العمرانية والمعمارية في مدينة واحدة، تسلط الأضواء عليها، وتترك باقي المدن في ركن مظلم يهددها الدمار الناتج عن إهمالها من قبل سكانها والمؤسسات المخولة بحمايتها. خصوصا بعد أن تأسس جهاز لإدارة المدن التاريخية... والذي استلم مسؤولياته من تركة سلفه مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس، وضم إليه أيضا مشروعي تنظيم وإدارة مدينة بنغازي القديمة ومدينة غدامس.

الإشكالية التي وقع فيها من تولى إصدار تأسيس هذا الجهاز، وجعل من مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس منطلقة، واعتبار أن القائمين على ذلك المشروع مخولين بحكم الخبرة لتولي مسؤوليات وأعباء أكبر، هي في كونه لم يقم بإعادة تقييم جادة لهذه المؤسسة ولا للقائمين عليها بدءا من أصغر موظف إلى أعلى مسئول. كما لم يقم بمراجعة وإعادة تقييم لجميع الفترات والمراحل التي مر بها هذا المشروع،

وعن سؤالنا إلى أين وصل وما الذي أنجز خلال السنوات الممتدة من 1985 حتى 2005 م. ؟

       أجاب المهندس جمال، لاشك أن مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس قد مر في بداياته بمرحلة التأسيس والتي تولى مسئوليتها أناس غير متخصصين في مجالات الترميم والصيانة ولا بمجالات العمران والعمارة ولا حتى بمجالات تنظيم وإدارة المدن القديمة، ولكن ما يحسب لهم هو تلك الغيرية والعشق لشئ اسمه مدينتهم القديمة.... ولكن هذا لا يغفر لمن حمّلهم هذه المسئولية، أنه لم يضع في حسبانه أن التعاطي مع المدن القديمة وتاريخها ليس مسألة عاطفية وأنه لن تحل المشكلة بالعشق وحده، بل لابد للخبرة والتخصص من وجود، ووجود قوي.... وما يعاب على تلك الفترة أن القائمين على المشروع لم يقوموا بأبسط القواعد وهي/

·        توسيع دائرة المهتمين بالمشروع والمتعاونين معه لتشمل الجامعات والمكاتب الهندسية الاستشارية والاستفادة من خبرتهم وتخصصاتهم المهنية المرتبطة مباشرة ببرامج ونشاطات المشروع. بل اكتفوا بمجموعة مختارة لم يؤخذ فيها مدى أهلية أغلبها لهذه المهمة، مما أدى إلى صدامات في الآراء والتوجهات، ترتب عليها انسحاب من كانوا أهلا لهذه المسئولية.

·        عدم تنظيم دورات متخصصة في مجالات إدارة وتنظيم المدن القديمة للعاملين به لتقليص الفجوة بين تخصصاتهم البعيدة وهذا المجال الجديد.

·        لم تعمق اتصالاتها مع المؤسسات الدولية ذات الخبرة والاستفادة من تجاربهم،

·        وأخيرا لم توجه أي إعلان في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة للخريجين أو المتخصصين للعمل بهذا المشروع.

والذي حصل أنه تم الاستعانة بعناصر عربية غير مؤهلة علميا ومهنيا للتعاطي مع هذا المجال. حيث استغلت عدم دراية المسئولين على إدارة المشروع بالمجال، فصالت وجالت وأرعدت وأزبدت، وكانت النتيجة وبال على هذه المدينة.

وبالتالي كانت النتيجة، ضياع خمس سنوات من عمر هذا المشروع، في تجارب عشوائية وارتجالية فيما يتعلق بموضوع ترميم المباني وكيفية التعاطي مع هذا الموضوع من الناحية المهنية. وتجارب ناجحة فيما يتعلق بأعمال التوثيق وتجميع الوثائق والمخطوطات، وفي مجال النشاط الثقافي للمشروع خلال شهر رمضان المبارك لعدة سنوات، والتي كانت امتدادا لبرنامج نظمته شعبة الثقافة بأمانة الإعلام والثقافة بداية من عام 1983 م.

وهي حقيقة لا تسفه الجهود التي بذلت ولا تنتقص من قدر القائمين عليه في تلك المرحلة، ولكنها توضح بعض جوانب القصور التي يجب الاستفادة منها في التجربة الجديدة لجهاز إدارة المدن التاريخية.

مع بداية 1990 م. انظم للمشروع مجموعة من خريجي قسم العمارة الجدد والذين كان لبعضهم ارتباط وثيق بفكرة التعاطي مع المدن القديمة من خلال المنهج الدراسي ومن خلال ارتباطهم كمجموعة طلابية تهتم بالتراث العمراني والمعماري المحلي بالأستاذ المرحوم علي سعيد قانه، الذي كانت له خبرة ودراية بهذا المجال، وقد استفادت المجموعة قبل التحاقها بالمشروع من رؤيته وخبرته، فكانت الانطلاقة الجديدة للمشروع، اجتمعت فيها الخبرة والحماسة والعشق الذي جمع إدارة المشروع مع هؤلاء المعماريين. ومن هناك بدأ مسار المشروع يأخذ منحى علمي جاد، لم تبخل فيه أمينة اللجنة التنفيذية عليهم بالدعم والتشجيع، ولم يبخلوا هم بالعطاء والتوجيه.

وما يعيب هذه المرحلة هذه الجوانب من القصور/

·        استمرار التعاطي مع موضوع الترميم والصيانة من خلال التجارب العشوائية، واستخدام مادة الإسمنت في الترميم وهي محظورة لعدم تفاعلها مع المواد الطبيعية التي بنيت بها المدن القديمة. وحجتهم أنه ليس هناك إمكانية للتعاطي مع المواد التقليدية.

·        في حين أن هناك مؤسسات ومصانع في ألمانيا تصنع الطوب الرملي وفي فرنسا تصنع الطوب الطيني بمختلف الأحجام. وبالنسبة للطوب الطيني فقد كانت أدوات التصنيع رخيصة وسهلة الاستعمال. ناهيك عن الطرق اليدوية والبدائية التي كانت تصنع منها قوالب الطوب الطيني سائدة في أقرب مدينة إلى طرابلس وهي غدامس.

·        لم يتم الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، ولم يتم تأهيل العاملين بالمشروع في هذا المجال.... وللحقيقة وللتاريخ، فقد أعدت أمينة اللجنة التنفيذية للمشروع برنامجا متكاملا بهذا الخصوص، ولكن اللجنة الشعبية لشعبية طرابلس التي تؤول إليها تبعية المشروع في تلك الفترة، أعاقت الكثير من البرامج بهذا الخصوص، وأسهمت في تحجيم دور المشروع ونشاطه العلمي.

·        تولى مسئولية إدارة الإدارات الهندسية في تلك الفترة مهندسين غير متخصصين في مجالات التخطيط والعمارة، وكانوا جميعهم من خريجي الهندسة المدنية وتحديدا في مجالات المياه والصرف الصحي... والذين كان لهم دور كبير في إفشال الكثير من البرامج وتعطيلها، لولا وجود فسحة في إدارة التوثيق والدراسات الإنسانية ممثلة في مديرها، والذي من خلاله كانت تمرر أغلب المقترحات والأفكار الجديدة إلى أمينة اللجنة التنفيذية والتي كانت دائما حريصة على اعتماد كل تلك المقترحات وتفعيلها.


·        نقطة مهمة جدا ظلت غائبة عن المسئولين بالمشروع ولا زالت غائبة، وهي إشراك سكان المدينة القديمة في القرارات والبرامج، حيث لم يتم إقحامهم في أي مشروع أو استطلاع آرائهم أو حتى تحسيسهم أن هذا المشروع يستهدفهم ويسعى إلى الارتقاء بمحيطهم. وظلوا حتى هذه اللحظة، مجرد متفرجين بين راض وناقد وساخط جدا.

لهذا عاش مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة تلك المرحلة 1990 إلى 2000 بين شد وجدب، بين من يشعرون بمسئوليتهم تجاه هذه المدينة وبين من لا يستوعبون الأهداف التي على أساسها أنشئ المشروع، نتيجة لغياب الاختصاص والاهتمام، وخلالها تم افتتاح خمسة مواقع تم ترميمها وإعادة توظيفها كفضاءات ثقافية.

وبعد ذلك حصلت عدة تغييرات في تركيبة جميع إدارات المشروع وتتابع عدة مسئولين عليه، وانحرف المشروع عن مساره كليا، وتولت الإدارات الهندسية مجموعة غير مؤهلة إداريا وعلميا، حرصت على التضييق على مجموعة المهندسين المعماريين والإنشائيين الذين اكتسبوا خبرة طويلة خلال السنوات التي مضت من عمر المشروع.

وقد ظل لفترة طويلة يتولى مسئولية إدارة العمليات والتنفيذ التي مهمتها الأساسية ترميم المباني، خريج من قسم المكتبات، ومديره التنفيذي متخصص في المياه ومديره العام عامل ميناء مسئول عن دخول وخروج السفن. والأسوأ من ذلك أن مديرة التخطيط والدراسات الهندسية لعدة سنوات، كانت معمارية، ولكن دورها كان يتركز فقط على إفشال أي برنامج هندسي يستهدف تطوير آليات المشروع، وحرصت خلال فترة تحملها لمسئولية إدارة التخطيط والدراسات الهندسية على منع تعيين أي مهندسين جدد ومحاربة العاملين معها والتضييق عليهم وسرقة أعمالهم وجهودهم ونسبتها إلى نفسها.

وفي هذه المرحلة ارتبكت جميع إدارات المشروع وتوقفت جميع برامجه ونشاطاته العلمية والمنهجية ما عدا إدارة التوثيق والدراسات الإنسانية التي ظلت حريصة على استمرارية برامجه، وأصدرت عدة دراسات تاريخية في شكل مطبوعات. وأصبح التركيز الوحيد على استثمار العقارات داخل المدينة القديمة في غير المشاريع التي تستهدف النهوض بالمستوى الثقافي للمدينة.

وبالرغم من أن بعض الجهات الرقابية حاولت التحري عما تسمعه من تجاوزات تحصل بالمشروع. ولكن بالنظر لعدم دراية القائمين على تلك الجهات بما حدث ويحدث فإنهم يعودون إلى مكاتبهم مبهورين بما شاهدوه من إنجازات تمت خلال السنوات السابقة لوجود هؤلاء أو لمساهمتهم في تحقيق هذه الإنجازات، ويطوى ملف المتابعة.

وأخيرا وبعد أن تم إنشاء جهاز إدارة المدن التاريخية والذي تؤول تبعيته إلى الهيئة العامة للسياحة، كان ذلك إيذانا رسميا بموت الرؤية الثقافية للمدن القديمة في ليبيا وبعث ثقافة السياحة.

وبتعيين أمين للجنة الإدارية للجهاز، تكررت نفس الأخطاء، ووجدت إدارة هذا الجهاز نفسها تعيش في دوامة لا مخرج منها إلاّ أن قدم أول أمين رسالة استقالته لرئيسه الأعلى وهو أمين الهيئة العامة للسياحة، وفصل الثاني لأنه لم يتوافق في توجهاته مع أمينه وعين مهندسا معماريا يعمل بأمانة السياحة، ليكون المسئول عن المرحلة الجديدة في عمر هذه المدينة، التي لم تستطع حتى هذه اللحظة لملمة جراحها وانكساراتها، وتم إحالة مدينة طرابلس القديمة أخيرا وبجرة قلم على عقد يخول لشركة إيطالية، لا ندري تخصصها ولا برنامجها، مسئولية التعامل مع هذا الموروث، وبالتالي أصبحت الرقابة على هذه الشركة بيد من ليس لديهم أية دراية ولا علاقة بكيفية التعاطي مع المدن القديمة ولا أساليب الترميم والصيانة ولا منهجية التخطيط ولا منهجية التفكير،. والتي ليس عندها حسابات للمدينة ولا لسكانها ولا لقيمتها التاريخية ولا لقيمتها الثقافية ولا حتى لقيمتها الاقتصادية.... فقط الرؤية السياحة للمدينة وهمّ السياحة والسياح هو الذي يشغلهم.  وتحول المشروع من مشروع ثقافي حضاري يستهدف نهضة البلاد وتأصيلها. إلى مشروع سياحي ، ليصبح بعدها تاريخنا وثقافتنا مجرد فلكلور نستعرضه ليتسول الليبيون من خلاله مرضاة السائح بتلبية رغباته والسهر على حماه. وماذا سنجني من وراء السياح والسياحة، غير خراب المدن القديمة وما ورثناه من قيم وأخلاقيات.

عشت مع مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة تجربة امتدت لأحد عشر عاماً، بداية من 1990 وحتى 2001 م، ولكني لم أنقطع بعدها عن التواصل مع مجريات الأحداث داخل هذه المؤسسة، ولا الجهاز الجديد..... وحالهما يبكي العدو قبل الصديق. ولكن لا حياة لمن تنادي.


ختاما:
أن نفتح ملف المدينة القديمة والفساد الذي جعلها أسوأ المدن المتوسطية من حيث المحافظة عليها وحمايتها، في محاولة لتصويب الأنظار إلى ما تعانيه المدينة القديمة بطرابلس لعله يدعو إلى الاهتمام والرعاية بها وتنبه إلى ضرورة عدم إهمالها لان إهمالها هو إهمال للتاريخ والتراث ومن يهمل هذا الجانب لا يستحق ان تغمض العين عليه ويجب ان يعرض للمسالة والمحاكمة ربما فالإهمال جسيم والضرر لا يطاولنا بشكل مباشر لا كنه يؤثر علي غدنا الذي نريد له ان يكون مشرقا وعلي الجهات المسؤولة التي غفلت علي الأغراب وهم يملؤون المكان حتي صار السكان  يعيشون تحت ظلال الخوف من الأعداد الكبيرة من الأفارقة والعرب، الذين يتزايدون باستمرار. وسنواصل متابعة هذا الملف حتي يستفيق المسئول من سباته .





نشر في جريدة أويا

الأربعاء، مايو 28، 2014

محاضرات


برعاية مصلحة الآثار والمعهد الثقافي الإيطالي، ستقوم المهندسة المعمارية الايطالية/ لاورا باراتين، بتقديم كتاب بعنوان (السرايا الحمراء تجربة بحث للمحافظة عليها).

وذلك بقاعة المحاضرات بالمتحف الوطني/ قلعة السرايا الحمراء- طرابلس، عند الساعة الخامسة والنصف مساء الخميس الموافق 2014.05.29  م.