أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الثلاثاء، أبريل 07، 2015

من مدن جبل نفوسة

قرية وازن



سعيد علي حامد

     لم تنل مدن وقرى جبل نفوسة الاهتمام من قبل المؤرخين والجغرافيين العرب القدامى ، وكانت الإشارات المقتضبة لكل من ابن حوقل صاحب كتاب صورة الأرض ، في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ، وأبي عبيد الله البكري صاحب كتاب المسالك والممالك في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر للميلاد التي اعتمد عليها الكثير من المؤرخين والرحالة ، وقد أشارا إلى جبل نفوسة وأعطيا معلومات عن مدنتين فيه هما مدينة شروس التي كانت عاصمة الجبل في القرون الهجرية الأولى، ومدينة جادو وأغفلا مدن وقرى الجبل الأخرى . وإن أشار البكري أن به ثلاثمائة قرية.

     في النصف الأول من الثاني عشر للميلاد كان سكان الجبل " بعد نزوح بني هلال يمارسون زراعاتهم في أمن واطمئنان ، ويذكر الإدريسي ، مثل البكري ، الأعناب وأشجار التين والشعير ويقول بوجود أجود الخبازين في العالم في شروس. ويتحدث الإدريسي عن مدينة أخرى بمنبر ولكنه لا يذكر صراحة جادو. كما يلاحظ علاقات شروس مع ورقلة وقفصه وطرابلس ......(1)  

     من قرى جبل نفوسة التي لم تنل الاهتمام ، وازن ، وهي قرية تطرف موقعها عند بداية جبل نفوسة عند الحدود الليبية التونسية وهي المنفذ الجنوبي الذي يربط تونس بليبيا ، ويمكن الوصول إليها من طرابلس عن الطريق المعبد طرابلس ، العزيزية ، نالوت وبعد نحو 15 كم يتفرع من الطريق الرابط بين نالوت وغدامس طريق يتجه إلى جهة الغرب وبعد نحو 45 كم يصل المرء إلى قرية وازن .

     استمدت وازن اسمها من وقوعها على مسافة واحدة بين مدن تجارية مهمة وهي طرابلس ، غدامس وصفاقس ، إذ تبعد وازن بمسافة تقدر بنحو 350 كم من المدن الثلاث السابقة ، وهي تربط بين مدن الجنوب التونسي ومدن جبل نفوسة وغدامس ولذلك اكتسبت أهميتها من موقعها المتميز .


     يشير هنريكو دي أغسطينى في كتابه سكان ليبيا الذي طبع سنة 1917 أن سكان وازن ينتمون إلى قبيلة أولاد محمود وهم حوالي 400 نسمة ولحماتها ، أولاد عثمان ، وأولاد عبد الرحيم ، النجاجرة ، وأولاد جماعة ... والى قبيلة الربايع وتضم لحمات ، أولاد علي ، أولاد يحي ، أولاد محمد ، أولاد سليمان وتضم 370 نسمة ولهاتين القبيلتين أمـلاك فـي وديان نكريف وأم زقـار ووني والمرطبـة ( بتونس ) التي يقيمون بها بعض الوقت . (2) 
   
     شيدت قرية وازن القديمة على ربوة تحيط بها مجموعة من الأودية ، ووفر لها موقعها تحصينا جيدا فلا يقدر احد أن ينالى منها ، إذ تتدرج المباني، التي تخترقها مسالك متعرجة، صعوداً إلى قمة الربوة والتي يربض فوقها قصر وازن ويبدو أن القرية في نشأتها كانت عبارة عن مجموعة من الغيران (الدواميس ) أو البيوت التي نحتت في الجبل ، وترك أمام كل غار مساحة مكشوفة كانت تستغلها النساء في الأعمال اليومية من طبخ وغسل ... الخ


     لقد تمكنت وازن بفضل موقعها أن تؤدي دوراً في تجارة القوافل ، فكانت القوافل تصلها من صفاقس ومدن الجنوب التونسي ومنها تنطلق نحو غدامس تم غات إلى بلاد ما وراء الصحراء ، ولقد تأثرت الحياة الاقتصادية بوازن ومدن جبل نفوسة الأخرى عندما تعرضت مدن الجنوب التونسي وطرابلس وجبل نفوسة لغارات من قبل بعض المغامرين وخاصة المغامر يحيي بن غانية الذي استغل انشغال الموحدين في حرب في الأندلس فاستطاع في منتصف القرن السادس الهجري / الثاني عشر للميلاد أن يشن غارات على تلك المناطق ، ويبدو أن وازن لم تطالها تلك الغارات على انه لا يستبعد إضرارها بالحياة الاقتصادية بها .

     بنيت مباني وازن بالمواد المتوفرة محليا من حجارة وجبس ، واستعملت جذوع النخل وأغصان أشجار الزيتون ، وهي من ذات الطراز المحلى السائد في مدن وقرى جبل نفوسة ، وتتميز مساجد وازن بصغر بيت الصلاة فيها ، ويعود ذلك إلى قلة السكان مع وجود عدة مساجد وزوايا بها . وقد شيد المعماريون المحليون تلك المباني الدين أتقنوا فن العمارة عن تجربة وخبرة فجاءت في نسيج معماري مترابط يشد بعضه بعضا ، وفي عفوية وتلقائية ، بحثوا في وظيفتها أولا مع مراعاتهم للجانب الجمالي الإبداعي فيها .


     ومن أهم معالم وازن قصرها الذي يتشبث بقمة الربوة ، ويهيمن على الأودية التي تحيط به وقد " بني سنة 860 هـ ، به ثلاثمائة وستون حجرة على أربعة طوابق وبناؤه على شكل مستطيل . يفتح مدخله ناحية الشرق ، يليه سقيفة بها مصطبة ترتفع قليلا عن أرضية الممر . يستغلها كبار السن للحديث في شؤون الحياة بعدها نجد ممرين على اليمين واليسار على جانبيهما حجرات التخزين ، وهي متراصة فوق بعضها بعض والممر الذي على يمين الداخل أوسع من الأخر مما سمح بحفر ماجل لتخزين مياه الإمطار التي تنساب إليه من أسقف الحجرات . وقد أجريت عليه بعض أعمال الصيانة والترميم في فترة مؤخرة ويدل على ذلك السقف الاسمنتى الذي يغطيه .


     ومن الملاحظ أن الغرض من بناء القصر أن يؤدي وظيفة تخزين غلال السكان من شعير وقمح وتين مجفف وزيت زيتون ، فالوديان المحيطة بوازن تستغل في زراعة الحبوب وهي غنية بأشجار التين والزيتون إذ توجد أربع معاصر تقليدية للزيتون بها، ويلجأ إلى القصر في أوقات انعدام الأمن فهو يوفر حماية للسكان لحصانته .

     بعد نهاية الدولة القرمانلية وعودة ولاية طرابلس الغرب الى الحكم العثماني المباشر عام 1835 ، وقيام غومة المحمودي بثورته ضد الوجود العثماني ومساندة معظم مدن وقرى جبل نفوسة للثورة ، قام والي طرابلس العثماني احمد باشا بإرسال حملة عسكرية هاجمت العديد من المدن والقرى وهدم قصورها في عام 1843 ولكن تلك الحملة لم تصل إلى وازن رغم مهاجمتها لقصر مدينة نالوت ، وبذلك بقي قصرها قائما متشبثا بقمة الربوة ، يحفظ الغذاء ، ويحمي الأهل في وقت الشدة والمحن ، ويراقب الغزاة ، ويمتع من يجلس فيه في الفترات المسائية بمنظر ربي والوديان والطبيعة الخلابة ، فتؤخذ عيناه بروعة وجمال المنظر .


     بدأ أهالي وازن القديمة في هجر قريتهم منذ نهاية خمسينيات القرن العشرين وتشيد مباني جديدة أسفلها ، ففقدت أنفاس أهلها وأياديهم التي كانت تمتد بالصيانة والترميم قصرها وبيوتها فتداعت بعض أركانها وأسوارها بفعل الإهمال والعوامل الطبيعية ولم يعد يهتمون إلا بالمباني الدينية  ، وهي كغيرها من مدن وقرى ليبيا المتناثرة في حاجة لمؤسسات وهيئات قادرة فنيا وماليا لإنقاذ التراث والموروث الثقافي الذي تزخر به حتى لا نفقد معالم لها إسهامات في حضارة البلاد وبؤر للجذب السياحي تساهم في صناعة السياحة التي تعول عليها ليبيا الجديدة في رفع الدخل والمساهمة في تنويع مصادر اقتصادها  مستقبلا .   




الهوامش :
1.      جاك تيري . تاريخ الصحراء الليبية في العصور الوسطى . ترجمة جاد الله الطلحي . الدار الجماهيرية للنشر . 2004 . ص 411.
2.      هنريكو دي أغسطينى . سكان ليبيا . القسم الخاص بطرابلس الغرب . ترجمة خليفة التليسي . الدار العربية للكتاب . تونس . ليبيا . الطبعة الثانية 1978 م . ص 523 ؟
3.      إبراهيم الشماخي . القصور والطـرق لمن يـريد جبل نفوسة من طرابلس ( 1303 هـ ـ 1885 م ) ترجمة احمد الفساطوي . دراسة وتقديم امحمد سعيد البوجديدي وآخرون . منشورات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية . 2005 م . ص 275

الأربعاء، مارس 25، 2015

تأملات في المعمار

المفردات المعمارية للعمارة التقليدية

وإشكالية الحفاظ والتأصيل في المشاريع المعاصرة


منزل أسامة الفرجاني- منطقة بن عاشور

جمال اللافي


تكلمت كثيراً في عدة مقالات منشورة على مدونة الميراث، وأخرى قبلها كانت منشورة على أكثر من مطبوعة ليبية متخصصة في مجالات العمارة والآثار، عن نهجي في العمارة والذي يعتمد مبدأين:
أولهما: أن العمارة هي المجال الذي يهتم بالدرجة الأولى بإيجاد بيئة صالحة لمعيشة الانسان. وبالتالي البحث في الحلول الممكنة لتحقيق هذه الغاية.
وثانيهما: لا أؤمن بالحداثة ولا إرهاصاتها. ولا بالتفكيكية وشطحاتها. ولا بالتغيير لمجرد التغيير. ولا اعتبر نفسي معنيّاً بالضرورة بالبحث عن أشكال ومفردات جديدة لعمارتنا الليبية المعاصرة. ليس هذا همي. وليست هذه غايتي من العمارة. وأن الاحتفاظ بهذه المفردات التقليدية في مشاريعي المعمارية جاء لاعتبارين مهمين:
الاعتبار الأول: أنها ملامح تشكلت عبر عصور ومؤثرات لا زالت تفرض نفسها جمالياً ووظيفياً. ورميها دون سبب، هو أمر أقل ما يوصف به فاعله أنها حالة سفه وسوء تقدير للأمور.
والاعتبار الثاني: أنها تعكس هوية المجتمع. مثلما تعكس ملامح وجوه الناس أصولهم وأعراقهم. فالعرب والصينيون وباقي شعوب شرق آسيا والأفارقة والهنود الحمر وشعب الأسكيمو والأوروبيون يتمايزون في ملامحهم، التي لم تتغير رغم تطور انسان هذه الشعوب على مر العصور في تفكيره ومستواه الحضاري والتعليمي. ما تغير فقط هو نظرته للحياة وأسلوب معيشته والأدوات والتقنيات والمواد التي يستعملها في تلبية متطلباته أو تحقيق رغباته أو التعبير عن تصوراته وتطلعاته لحياة أفضل.

ولهذا فمهمتي هذه انطلاقاً من هذين المبدأين، أراها تنحصر في احترام الموروث المعماري والعمراني، الذي يمثل تراكم خبرات الأجداد. وفي إعادة النظر فيما يمكن معالجته أو تصحيحه أو ملائمته مع معطيات العصر ومتطلبات المجتمع. من خلال التركيز على معالجة التوزيع الفراغي للمسقط الأفقي. وفي معالجة الكتلة في ابعادها الثلاث. وهذا في رأيي هو الأهم كمرحلة أولى.

لهذا لم ألقِ بالاً لاستنباط مفردات أو عناصر معمارية جديدة، انطلاقا من المبررات التي سقتها ولقناعتي التامة بالتأثير الجمالي للمفردات والعناصر المتوارثة حتى هذه اللحظة. وربما أجد مستقبلا الوقت الكافي لطرح أفكار جديدة لمفردات معمارية. ولكن هذا لن يتم، قبل أن أصل لحالة رضا تام عن معالجاتي للتوزيع الفراغي للبيت الليبي المعاصر وطرح الحلول المُثلى. وقد تأتي هذه المبادرة من غيري في استنباط مفردات جديدة ترتقي لمستوى ما تقدمه العمارة المحلية، فلا أجد حرجا من التعاطي معها.