أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الاثنين، أكتوبر 13، 2014

مسجد عبد الوهاب القيسي


مفردات وطراز



إعداد / مائسة محمد الهمالي



لمحة تاريخية عن مدينة طرابلس/
طرابلس هي عاصمة ليبيا و أكبر مدنها الحديثة .تعرف بطرابلس الغرب و تقع جغرافيا على خط طول 13.12 شرقا وعلى خط عرض 32.52 شمالا في الشمال الغربي لليبيا وهي كذلك ميناؤها البحري الرئيسي. وتحتل المدينة رأس صخري مطل على البحر الأبيض المتوسط و تقع مقابل الرأس الجنوبي لجزيرة صقلية يحدها شرقا تاجوراء والقره بوللي، غربا جنزور، جنوبا السواني.
وتعود تسمية المدينة إلى انها واحدة من مدن ثلاث بناها الفينيقيون وهي أويات "طرابلس الحالية" و لبدة و صبراته.

شهدت مدينة طرابلس حقبة إسلامية خالصة لمدة تسعة قرون ، هي الفترة ما بين 23 – 916هجري,( 43- 1510ميلادي).. وحفلت بعصور تاريخية إسلامية هي العصر الأموي والعباسي والأغلبي والموحدي والفاطمي وغيرهم.




موقع المدينة القديمة- طرابلس/
تتمتع طرابلس الغرب بحماية حاجز صخري طبيعي، يدل دلالة واضحة على أن المدينة كانت دائماً هناك، منذ الرحلات المبكرة للبحارة الفينيقيين. ولقد قيل أن طرابلس تنتصب، وكأنها حاجز بين تونس ومصر. وسورت المدينة سنة 1900 تسويراً هائلاً. وبحكم موقعها ، وواقع مواجهتها للبلد المسيحية الأوروبية يمكن تحديد وظيفة هذه المدينة باعتبارها كمركز للإدارة ، ومقر للحكم، وعاصمة للبلاد، وكموقع استراتيجي عسكري، وحصن منيع لرد الهجمات الأوروبية المسيحية عن البلاد المسلمة.



ملامح العمارة في طرابلس/
أخذت مدينة طرابلس طابعها المميز من العمارة الإسلامية في ليبيا حيث يوجد نظام التسقيف  بالمساجد، وسمي هذا النسق بالمسجد ذي القبيبات أو المسجد المتعدد القباب المتساوية، وهو طراز نشأ من ملائمة هذا التصميم للبيئة ومادة البناء المحلية، ولافتقار المنطقة لمواد بناء كالأخشاب أو الحجارة الجيدة التي تتحمل عمل أسقف متسعة أو قباب كبيرة .. وأضفت هذه الأمور طابعاً معمارياً خاصاً لمدينة طرابلس يتمثل بهذه القباب أو القبيبات. كما تميزت تلك المساجد  إضافة إلى ذلك بوجود مآذن بارزة ومرتفعة تظهر للمشاهد من خارج أسوار المدينة واشتهرت شوارع المدينة بمظهر الأقواس أو العقود السائدة والممتدة على معظم الشوارع والأزقة ، وكانت أيضاً هناك الحوائط المائلة وعمل الأكتاف الساندة أو الركابات .. لمنع انهيار الحوائط المبنية أساساً بمواد ضعيفة أو الحوائط الرفيعة أو التي تحمل الأبواب ولقد كونت هذه المجموعة من التشكيلات طابعاً معمارياً مميزاً لمدينة طرابلس.

موقع مسجد عبد الوهاب بالنسبة لمركز المدينة/



نبذة تاريخية عن مسجد عبد الوهاب القيسي/

هناك روايتان عن نشأة هذا المسجد فهناك من يقول بأنها تعود إلى القرن الخامس عشر ميلادي في بدايات الحكم العثماني لولاية طرابلس الغرب. والرأي الآخر يعود بهذا المسجد إلى الفترة الحفصية 1227، 1510م. وينسب إلى الشيخ عبدالوهاب القيسي.



مسجد سيدي عبد الوهاب/
·        تمثل المساجد أماكن ربط بين الخالق والمخلوق بأبسط أسلوب وأعمق تأثير وأعظم وسيلة .. لذلك رأيناها أماكن جمعت الجمال والتواضع والإبداع والبساطة.
·        امتاز هذا المسجد كباقي المساجد الإسلامية الأولى بالبساطة المستقاة من نظام بيت ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ..





الموقع العام للمسجد/
يقع المسجد بالتحديد عند السور الشمالي الشرقي الملاصق لباب البحر، وكان الباب يتكون من مدخلين مزدوجين غير متقابلين يدار كل منهما على ساند نحاسي منصوب في الأرض يستعمل لدخول وخروج المارة من وإلى المدينة وكان أغلب هؤلاء من البحارة. ويبعد عن البحر مسافة80 متر .ويبلغ متوسط الارتفاع عن سطح البحر ما بين ( 4.60-5.57م ).



وهو عبارة عن مساحة لا تزيد عن 203م2 مسقوفة بالكامل ولا يحتوي على فناء صحن المسجد.


الإحداثيات والأعمال المساحية/
يقع المسجد تحديدا وحسب المخطط الشامل 2000 في اللوحة الجوية رقم (7e-55-8-48) وحسب ماهو موضح.
·        والأجهزة المستعملة :-TOTAL STATION
·        GPS
·        LEICA DISTO
·        متر الشريط
·        كاميرا
·        قائم خشبي
·        سلك بلاستيكي

ويقع مدخل هذا المسجد بين هذين المدخلين، حسب ما ذكره التيجاني في رحلته إلى طرابلس سنة 1308م.

بيت الصلاة/
·        يحتل بيت الصلاة الواجهة الجنوبية الشرقية والذي نصل إليه مباشرة من المدخل وفراغ الميضأة وتبلغ مساحته(   85 متر مربع )
·        ويتوسط قاعة الصلاة عمودان رخاميان مختلفان في طراز التاج وترتكز عليها أربعة أقواس نصف دائرية.
·        كما يوجد ببيت الصلاة "مطبق" بالأرضية تحديداً بين النافذتين بالواجهة الشمالية لخزان مياه شرب أرضي أو ما يسمى (بالماجن).
·        وتقسم قاعة الصلاة إلى ثلاث أقسام مغطاة بثلاث أقبية شبه نصف دائرية تقريباً اثنان منها بطول ( 10متر طولي ) تغطي الجزء الجنوبي الغربي من بيت الصلاة وإلى الشمال الشرقي منهم يمتد القبو الثالث بطول (16.30 متر طولي ) إلى شمال بيت الصلاة ليغطي المدخل وفراغ الميضأة.




سقف المسجد/
يغطى هذا المسجد قبة دائرية ترتكز على قاعدة ثمانية بثماني نوافذ معقودة ويرتكز الشكل الثماني على مربع بأربع عقود.





الميضأة/
تم استغلال الجزء السفلي من السلالم لجلسات الوضوء ( الميضأة( . وعند الزاوية الشمالية الغربية وفي داخل الجامع يوجد بئر مياه وتم تغطية أرضية المدخل  ببلاط إسمنتي مزخرف.


المئذنة/
أخذت المئذنة زاوية المبنى من الناحية الشمالية الغربية، ويصل ارتفاع المئذنة إلى 10 أمتار. وتأخذ المئذنة الشكل المربع ابتداء من الأرض حتى ارتفاع 6.60 ، ثم تأخذ الشكل الثماني في الأعلى ، ويتم الوصول إليها عبر سلالم خشبية عددها 18  سلمة (القائمة=0.21 / النائمة=0.28 ).


حجرة القيم/
في الناحية الشمالية الشرقية من المبنى توجد حجرة القيم وهي بمساحة ( 5.50متر مربع) ولها على الضلع الشمالي نافذة دائرية داخل فتحة مستطيلة.
سقف حجرة القيّم: على ارتفاع 3.19 من ارضية المسجد من الداخل وتم تنفيذه من الآجر بالإضافة إلى الدعامات الحديدية.
أرضية حجرة القيّم: ترتفع على منسوب مدخل الجامع ب20 سم وهي مكسوة ببلاط إسمنتي أبيض وأحمر.



النظام الإنشائي ومواد البناء/
·        حوائط حاملة: ولبناء هذه الحوائط استعملت الأحجار الجيرية الرملية الهشة ( كسر حجارة) وتشذب بحيث تأخذ شكل مخروطي لتحقيق التداخل بين الحجارة وتم لصق هذه الحجارة بمونة مكونة من خليط الجير والرمل.


·        أسقف الأقيبة والقباب: أما الأعتاب والعقود والتسقيف فكان من الحجارة المالطية + الخشب للأسقف.

هذا وتم معالجة الأضرار التي لحقت بالجامع جراء الحرب بالطوب الأحمر + مادة لاصقة.




الخلاصــــــة/
·        تأكيد تواصل الماضي بالحاضر وتوجيه الأنظار إلى الاهتمام بهذا التراث ودراسته وتوظيفه.
·        إمكانية استعمال المعلومات المتراكمة سواء في نسب العناصر المعمارية أو استخدام مواد البناء المحلية.

·        لمدينة طرابلس طابعها الخاص الذي يستوجب احترامه، متمثلاً في القباب والقبيبات ، وامتيازها بوجود مآذن بارزة ومرتفعة .

الجمعة، أكتوبر 10، 2014

بين عباد القبور وعباد مصالحهم اتفاق






جمال اللافي


إلى المتباكين على هدم الأضرحة وإزالة القبور المنتشرة في مساجدنا التاريخية وغير التاريخية، أقول:

هناك أعمال هدم كثيرة وكبيرة لمساجد ومعالم ومدن تاريخية بأكملها، تمت في عهد المقبور. ولم تجد من يعترض عليها، ولو بكلمة- على  المستويين الشعبي والنخبوي- في ذلك الوقت، إلاّ من بعض حالات استثنائية ضعيفة، تم إخراسها من زبانية ذلك المقبور، منها على سبيل المثال لا الحصر، جامع الكتاني (أبوهريده)، جامع الشعاب القديم، جامع سيدي حموده، جامع سياله، جامع مولاي محمد، جامع باقي، مدرسة جامع ميزران، وآخرها هدم مبنى ما كان يسمى بمقر اللجنة الشعبية العامة (بنك روما سابقا). كذلك مدن سوكنة وهون وقلعة بني وليد وتحويل غالب المدن التاريخية إلى أطلال نتيجة الإهمال. كذلك لا ننسى سرقات الآثار من مدن لبدة وصبراته وشحات وغيرها.


بل الكثير من الوقائع والشواهد تقول، أن هناك من كانت له أدوار تخريبية داخل مدينة طرابلس القديمة وعرقلة لجهود الحفاظ عليها من موقع مسؤوليته الإدارية بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس في تلك الفترة وفي جهاز إدارة المدن التاريخية في هذه الفترة.

ومع ذلك نرى اليوم تحشيد شعبي ونخبوي، غير مسبوق، على ما يحصل  من أعمال إزالة لمقابر داخل بعض المساجد التاريخية أو أعمال تدمير طالت الأضرحة التاريخية المنتشرة داخل هذه المساجد أو داخل مقابر المسلمين في جميع المدن الليبية. التي قامت بها جماعة- لا أعرف حقيقتها ولا دوافعها ولا مدى صدق نواياها- بعد ثورة 17 فبراير تحديدا.


والمعنى، الذي أريد أن استخلصه من هذا السرد، أن مسألة هدم الأضرحة ونقل رفات القبور من مساجد إلى مقابر المسلمين- وفق الأصول الشرعية وبهدوء ودون ضجيج- وما يترتب عنها من إضرار بالمعالم التاريخية (هذا إن تحققت مثل هذه الأضرار فعلا، ولم تقتصر العملية على إزالة القبور فقط). هي في حقيقتها لا تعني أحداً بالمرة. وليست هي المستهدفة من كل هذا العويل والصراخ والتباكي والنواح. ولكن المستهدف هو جعلها قضية رأي عام داخلي وخارجي. واستثمارها كفرصة سانحة لهم للتنفيس عن مشاعر مكبوتة تجاه من ينافحون عن عقيدتهم الصحيحة. أو للطعن في جهات أو أشخاص بعينهم أو إثارة الرأي العام بقضايا تستهدف النيل من وضع قائم، لا يرضون عنه، أو للتعتيم على جرائم اقتصادية أو سياسية تحاك لهذا البلد. فوجدوا في مثل هذه الأعمال العشوائية فرصتهم السانحة.


وربما تكون واحدة من مستهدفات هذه الحملة، سعى هؤلاء لربط هذه الأعمال بأعمال الهدم التي طالت معالم مدينة طرابلس القديمة منذ عقود وغيرها من المدن والمعالم التاريخية الأخرى. وقد نقرأ مستقبلا دراسات تاريخية تخلط الحابل بالنابل وتنسب كل ما تعرضت له معالمنا التاريخية في جميع المدن الليبية من هدم وتشويه ونسبتها إلى هذه المرحلة التاريخية وإلى هذه الجماعة. فليس هناك أسهل من تزييف التاريخ وتشويه الحقائق في زمننا هذا. 

لست أدري، فقد يكون ظني بهم خاطئاً. وتكون نواياهم كلها سليمة.

لهذا أقول، للجمع المتباكي على الموروث الثقافي الضائع، في حالة أحسنّا بهم الظن:

كم تمنيت أن تتكاثف الحملات لمنع مزيد من أعمال الهدم التي ما زالت تتم داخل مدينة طرابلس القديمة لمساكنها ومعالمها التاريخية، بهدف إقامة فنادق ومحلات وبيوت تفتقر لأبسط القيم الجمالية والفنية في العمارة.

ولا يسعني هنا إلاّ التنويه إلى أن العاملين بجهاز إدارة المدن التاريخية قد انقطعوا عن ممارسة أعمالهم بسبب مضايقات وتهديدات هؤلاء العابثين بموروثنا الثقافي.

ولا يسعني أيضا إلا التنويه أكثر إلى أن من يقومون بهذه الأعمال التخريبية، هم من العائلات الطرابلسية المحسوبة على المدينة القديمة. وقد اتطرق مستقبلا لذكرهم، فقط حتى يتبين لكم أن أغلب المتباكين اليوم هم أنفسهم من يمارسون أعمال التخريب المتعمد لمعالمنا التاريخية والتعدى عليها.


وأخيراً أقول:
أما آن الأوان، لأن نجمع صدق المشاعر مع صدق النوايا مع العمل الجاد، للحفاظ على ما تبقى من هذا الموروث الثقافي. من خلال سلسلة من البرامج العلمية والمنهجية والمشاريع الجادة، التي تستهدف هذا الموروث بالحماية الحقيقية، لإنقاذ ما يمكن انقاذه.

بل وللعمل على رد الاعتبار لهذا الموروث المعماري والعمراني، من خلال إعادة توظيفه في ذاته لتكون كل هذه المعالم أماكن للعديد من الأنشطة العلمية والثقافية. وأيضا الاستلهام منها في مشاريعنا المعاصرة، كخطوة أخرى للحفاظ على هوية عمارتنا ومدننا المعاصرة. بدلا من هذا الخليط النشاز من أعمال معمارية ومشاريع عمرانية، لا يمكننا حسبتها لا على موروثنا الثقافي ولا على منجزات الحداثة الغربية. وكأن واقعنا يشبه حالة الغراب الذي أعجب بمشية الحمام، فأراد أن يقلدها. فلا هو اتقنها ولا هو استطاع العودة إلى مشيته الطبيعية. فبقي يعرج ويورث أجياله من بعده مشيته العرجاء هذه.

وهذه الخطوات ليست مستحيلة ولا صعبة، لمن أراد أن يمسح عنه دموع التماسيح. ويعمل بالحكمة الصينية التي تقول، مع بعض التصرف:

"اشعل شمعة، بدلاً من أن تنزوي في زاويتك المظلمة تلعن الظلام، أو تحيك الدسائس".




جميع الصور من أرشيف الأستاذ سعيد حامد.

السبت، سبتمبر 20، 2014

قراءة في معايير البيت الليبي المعاصر



حوش القره مانللي بمدينة طرابلس القديمة- تصوير/ الفنان أحمد السيفاو

جمال اللافي


ربما يعتقد البعض أن التساؤل حول ماهية معايير البيت الليبي المعاصر، التي على أساسها يمكن اعتبار أي مسكن يصمم يمثل نموذجاً للبيت الليبي المعاصر بكل المقاييس، قد يبدو سهل المنال ولا يحمل وراءه أبعد من مضمونه. ولكنه في حقيقته يمثل إشكالية اجتماعية، بكل ارهاصاتها الثقافية والاقتصادية وربما العقائدية، يقف أمامها الطرح المعماري عاجزاً عن وصفها بإجاباته التقليدية، التي اعتدنا على نقلها جيلا معماريا بعد جيل، ولا تكلف المجيب عناء التفكير والبحث والتقصي. بقدر ما هي قالب جاهز للاستعمال عندما تستدعي الحاجة. ولننظر لبعض الإجابات البديهية. ثم ننظر كيف أنها إجابات خاطئة وابعد ما تكون عن واقعنا المعاصر.

حيث يرى البعض أن أولى هذه المعايير، أن يأتي هذا البيت ملبياً لجميع متطلبات الأسرة الليبية المعاصرة من فراغات، دون زيادة أو نقصان، مراعيا لخصوصيتها الاجتماعية والثقافية. هذا ما تقوله الإجابة التقليدية التي اعتدنا على اللجوء إليها تدون أن يعترينا عناء التفكير والتمحيص.

في حين أن متطلبات الأسرة الليبية المعاصرة، لم تعد في حقيقتها واحدة ومشتركة ومتفق عليها. بل أنها تعددت بتعدد مصادر الثقافة التي أصبحت تنهل منها الأسرة الليبية عبر عدة قنوات مؤثرة جدا على العقلية الليبية، على رأسها وسائط الإعلام المختلفة. حيث دخلت المسلسلات التلفزيونية وما تبثه من ثقافة العيش، كمؤثر على جل الليبيات ثم الليبيين. كذلك إقامة البعض من العائلات الليبية خارج ليبيا كان لها الدور في مسألة التأثر بمعيشتهم في تلك البلاد باختلاف ثقافاتها. إضافة لكثرة الزيجات من غير الليبيين والليبيات ومن غير المسلمين والمسلمات في مجتمعنا الليبي. لذلك فنحن اليوم أمام تعدد متطلبات وتنوع احتياجات واختلاف طبائع وعادات. وربما اختلاف تقاليد مستحدثة، ناتجة عن التأثر بثقافات دخيلة على مجتمعنا الليبي المسلم، كاحتفال بعض العائلات الليبية بعيد الكريسماس وكل ما يتطلبه من استعدادات مبكرة وتجهيزات عدة، قد يصبح مستقبلا من ضمنها تجهيز صالة كبيرة داخل البيت لوضع شجرة الميلاد والاحتفاء حولها. وقد نصل يوما- إذا استمر الحال على ما هو عليه من التغريب الثقافي والفصام الاجتماعي- أن تصبح المدخنة، التي سينزل عبرها بابا نويل ليقدم هداياه للأطفال، مطلب اجتماعي، يستلزم من المعماري مراعاته عند التصميم. وذلك بتحويل صالة المعيشة التقليدية إلى صالة كبيرة تتوسطها المدخنة، والاستغناء عن حجرة الضيوف. والأهم من كل ذلك فقد ساهم ارتفاع أسعار الأراضي إلى تشكل مجتمعات ومستوطنات ومناطق لا يسكنها إلاّ طبقة الأغنياء ورؤوس الأموال، بينما تسكن الطبقة المتوسطة والفقيرة، العمارات متعددة الطوابق ومتشابهة التصميم، في مناطق أخرى تحددها الدولة لهم.

وحتى لا يقول قائل ما هذا الهراء. أقول انظروا حال المسكن في المجتمعات العربية المسلمة في الدول المجاورة لنا، التي سبقتنا إلى هذا الانحدار والتفسخ في القيم والسلوكيات والعادات والتقاليد الاجتماعية، وانعكست بدورها على تصميم المسكن في تلك البلدان، حيث لا وجود لخصوصية استعمال الفراغات بين الضيوف (رجالا ونساء) وأصحاب المنزل. ولا مكان للخصوصية بين الجيران في إطلالات النوافذ والشرفات. وبدأت تأخذ مجراها في التأثير بسلبياتها وبعض إيجابياتها على العقلية الليبية، من خلال المؤثرات التي سبق الإشارة إليها. والتي لا تمتلك مقومات التصدي لها ولا مواجهتها ببدائل مقنعة.

وللحديث بقية.

الخميس، سبتمبر 04، 2014

من مدن جبل نفوسة

فرسطاء*

مدينة فرسطاء


الأستاذ/ سعيد علي حامد

         الزائر أو الدارس للتجمعات الإستيطانية في منطقة جبل نفوسة يلاحظ التشابه والتماثل في مواقع قراه ومدنه وفي خصائص معمارها حيث أن جميعها تقع على منحدرات التلال وشعب محصنة ومحصورة بين أودية . وجميع هذه التجمعات تحتمي بالظروف الطبيعية للمنطقة وتتشابه في مظهرها وأسلوب بنائها والمواد المستخدمة ونمط معيشة أهلها .

        فرسطاء قرية من قرى جبل نفوسة تقع إلى الغرب من طمزين ، ويمكن الوصول إليها من مدينة كاباو التي تبعد عنها بنحو 6  كيلومترات ، في حين تبعد عن طرابلس في اتجاه الجنوب الغربي بنحو 240 كلم ويمكن الوصول إليها بواسطة الطريق المعبد طرابلس ، العزيزية ، تيجي ويتفرع منه طريق نحو اليسار صاعدا الجبل وبعد نحو 13 كم يتفرع طريق نحو اليسار ينتهي بعد 4 كم ليترجل الزائر سالكا طريقا صخريا منحدرا نحو الوادي فتظهر فرسطاء أمامه وقد انتشرت أطلالها على سفح جبل يمتد أسفله وادي واسع خصب هو وادي طمزين في حين يكتنفها سهل الجفارة من الشمال .

      يستمد أهل فرسطاء الماء من عين تجري في ذلك الوادي  الملئ بأشجار النخيل الزيتون ويزرع الأهالي في الأراضي المحيطة به الحبوب والبقوليات وغيرها .

         أنجبت فرسطاء العديد من العلماء ، ويبدو أنها كانت مزدهرة في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي . ومن المحتمل أن تاسيس المدارس في فترة مبكرة بجبل نفوسة ساعد على وجود نهضة ثقافية به فقد ذكر الشماخي في سيره أن أول مدرسة بالجبل ترجع إلى النصف الأول من القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي. وقد أسسها بمنطقة أفطمان بالقرب من الرحيبات عمر بن يمكتن اللواتي. واستمر ذلك الازدهار  لفترة من الزمن. فما أن حل القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي  حتى أخذنا نشهد في ليبيا " ما يمكن أن يسمى (عصر النهضة الثقافية)، إلا أنها نهضة متقلصة من حيث البقعة المكانية فهي لا تتجاوز منطقتين هما طرابلس وجبل نفوسة ."(1) فظهرت في جبل نفوسة عدة مدارس كان لها أثرها الثقافي في المنطقة وقد نالت فرسطاء نصيبها من ذلك، فالمعلومات تؤكد على أنها كانت إبان القرن الثامن الهجري / الرابع عشر للميلاد مفعمة بالنشاط والحراك العلمي والثقافي، وربما يعود هذا الأمر إلى إستقرار عالم الجبل الكبير أبو طاهر الجيطالي ، بهذه القرية ، وقيامه بالتدريس فيها ."(2) وكانت له شهرة واسعة فقد " كان شيخا حافظا وعالما عاقلا محافظا شديدا في الأمر والنهى ... وسكن فرسطاء من بلاد نفوسة تسعة أعوام وحملهم على السبيل المستقيم وله تآليف جليلة منها : القواعد ... منها القناطر في أجزاء كثيرة ... ومنها كتاب في الحساب وقسم الفرائض ... كتاب الحج والمناسك... وله قصائد وإذا نظرت كتبه ظهر لك قوة حفظه وكان مستجاب الدعوة ." (3) وكتابه قناطر الخيرات " كتاب جليل الفائدة في أمور الزهد وقواعد الأخلاق."(4) وقد حققه الدكتورعمرو النامي وطبع سنة 1965ميلادية.       


المتتبع لتاريخ فرسطاء لا يستطيع أن يغوص في أعماق تاريخ نشأتها ، فالمصادر الأثرية لا تمدنا بمعلومات عن تاريخها القديم كما أن المصادر الكلاسيكية المدونة تصمت عن ذكرها إلا أنها تعد من القرى القديمة بجبل نفوسة " وهي موجودة قبل الفتح العربي بوقت طويل . ومن المتعارف عليه أن ثمة كنيسة مسيحية بهذه القرية . وكانت قد حولت إلى مسجد بعد إعتناق الأهالي للدين الإسلامي. ولهذا فكلمة فرسطة ذاتها دليل على قدم الموقع الذي يعود إلى العهد الروماني ." (5)وهناك من الباحثين من يعزو إسم القرية ( فرسطاء ) إلى كلمة لاتينية أفريقية ، ولكن بالعودة إلى أهلها فيذكرون أنها جاء من كلمة أمازيغية بمعنى المتوسطة لإنها تتوسط عدة قرى أو بمعنى التي يمكن رؤيتها من القرى المحيطة بها لإنها أقيمت على ربوة . وأقدم المصادر العربية التي تتحدث عن فرسطاء ، هو كتاب أبي سعيد الفرسطائي ، ويعود تاريخ هذا المصدر إلى القرن الثالث الهجري / التاسع ميلادي .         

كانت قرية فرسطاء تعج بالحركة والعمران ، فهي قرية زراعية غنية بمنتوجاتها  ، فتوجد " بها أربع معاصر للزيتون"(6) مما يدل على وفرة انتاجه . وساهمت في تجارة القوافل العابرة لمنطقة جبل نفوسة وكان لها من الصناعة نصيب خاصة ما يتعلق منها بالصوف فتنتج بيوتها الملابس الرجالية والنسائية كالجرود والملاحف والأغطية ، كما كان لها نشاط في صناعة الفخار ويدل على ذلك وجود بقايا واضحة لفرن خاص بصناعة الفخار. كما إشتهرت بمساجدها وأضرحتها التي كانت مقصد بعض أهالي القرى المجاورة ومن أهمها مسجد أبي يحيى الفرسطائي من علماء القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي والذي ساهم في نشر الإسلام في السودان الغربي وكان بعض علمائها يرتحلون رفقة قوافل التجار غايتهم نشر الإسلام بين القبائل الوثنية وقد حققوا الكثير من النجاح في ذلك .         

وقد عرفت فرسطاء العديد من العلماء منهم أبو ذر صدوق وهو من أهالي القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي ، وكان مستشاراُ لحاكم الجبل  أبو زكريا ، وقد قتل أبو ذر في معركة مانو* 283 هـ / 896 م ، وكان قد بلغ في العلوم النهاية وجرى في أمر الصلاح حتي الغاية ." (7) وينتسب إليها العلامة الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر وهو من أهالي القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ويعود إليه الفضل في تأسيس نظام العزابة في جبل نفوسة . وهذا النظام عابرة عن هيئة أو مجلس من العلماء وأهل الفضل مهمته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويقوم بجميع الوظائف الدينية والدنيوية في مجتمعات جبل نفوسة .وقد عدد الشماخي في سيره العديد من علمائها ممن كان له في العلم نصيب وفي التأليف سهم مصيب.          

مسجد أبي يحي السفرطائي
يبدو أن مدن وقرى جبل نفوسة ومن بينها فرسطاء استطاعت في القرن الخامس الهجري / الحادي عشرالميلادي ، مزاولة نشاطها التجاري بكل طمأنينة والنأى بنفسها عن الصراعات بين المطالبين بالعرش الزيري ، كما تمكنت من الابتعاد عن نزوح الهلاليين إلا أن بعض تلك المدن والقرى تعرضت لإطماع المغامرين ففي سنة 599 هـجرية استطاع المغامر يحي بن غانية الذي إستغل إنشغال الموحدين في حرب بالأندلس أن يثبت أقدامه في تونس وطرابلس وأردا إخضاع جبل نفوسة لسيطرته فشن عدة غارات على بعض قراه ومدنه ويبدو أن فرسطاء لم تتأثر بتلك الغارات كثيراً ، ولا يستبعد إلحاق بعض الضرر بالحياة لإقتصادية بما حولها. يذكر هنريكو دي أغسطيني في كتابه سكان ليبيا والذي صدر في سنة 1917 أن عدد سكان فرسطاء 100 نسمة وتسكنها عائلة الغرابة والجوانطة .(8)        

تلتصق مباني فرسطاء بالتل ، وتبدو كأنها جزء من حجارته ، تفصل بين تلك المباني طرق ضيقة متعرجة يسلكها المرء ليبلغ بيته أو إلى القصر الذي يتربع على قمة التل .والقرية في شكلها العام أقرب ما تكون إلى قرية محصنة بالكامل ، وكأن الهاجس الأمني هو المسيطر على سكانها فهي على ربوة تحيط به الأودية من كل جانب وتتراص بيوتها بجوار بعضها البعض مكونة في مجموعها ما يشبه الحصن . وعلى المرء أن يجتازها ليصل إلى قصرها الكبير الذي ما تزال معالمه واضحة ولم يتعرض إلى الهدم أثناء الحملة التي أرسلها وإلى طرابلس العثماني إلى منطقة جبل نفوسة عام 1843 لإخضاع أهله . وعلى العموم فإننا نلاحظ أن فرسطاء تحاكى مدينة نالوت في مظهرها وموقعها وطراز بناءها .         

قصر فرسطاء

بني قصر فرسطاء على شكل مستطيل ، ويبدو من الوهلة الأولى أن وظيفته الرئيسة هي التخزين ، إذ يخزن الأهالي فيه الحبوب وزيت الزيتون والسمن والصوف وغير ذلك ويقوم على حراسته حارس من ذوي الثقة والأمانة نظير أجر متقف عليه خصصت له فيه حجرة بعد مدخله مباشرة.          
مدخل قصر فرسطاء
 المتمعن في القصر يلاحظ الإهتمام بالجانب الدفاعي للقصر، فهو حصين إذ ترتفع أسواره ما بين  6 و9 أمتار وله مدخل واحد يفتح في اتجا الجنوب الشرقي ،. إضافة إلى حفر صهريج (ماجن) بداخله تنساب إليه مياه الأمطار ، مع جود برج به أو ما يعرف في منطقة جبل نفوسة بالقصبة ( بضم القاف ) وهي مرتفعة عن أسوار القصر، والغرض منها المراقبة ويبدو أن الأهالي يلتجأون إلى القصر للإحتماء به عندما يحتاجون إلى ذلك. وقد إنتشرت تلك القصبات في بعض قري ومدن جبل نفوسة، كما بنيت في بعض الأراضي المنبسطة ليتمكن السكان من مراقبة المناطق المحيطة حتى لا يأخذوا على حين غرة من المهاجمين في الفترات التي ينعدم فيها الأمن، بعضها على شكل مربع والأخر على شكل مستطيل ويبلغ إرتفاع بعضها إلى نحو 10 أمتار

     يضم القصر إلى ما يزيد قليلا عن مائة حجرة كل واحدة منها مقسمة في الداخل إلى عدة أجزاء لتخزين الحبوب ( القمح والشعير ) والتين والزيتون وفي بعضها نجد جراراً لمعدة تخزين زيت الزيتون . وتوجد في القصر ساحة صغيرة تستغل في عمليات المقايضة والبيع والشراء.   

برج (قصبة) قصر فرسطاء

بنيت مباني القرية وقصرها بالحجارة والجبس والطين واستخدمت جذوع النخل وأغصان أشجار الزيتون في التسقيف وصنعت منها الأبواب والنوافذ، والقرية هجرت من قبل سكانها في ستينيات القرن العشرين حيث شيدوا مباني حديثة إلى الغرب منها بمسافة تقل عن 500 مترا، ويلاحظ أن أضرحة ومساجد القرية القديمة ماتزال تلقي الاهتمام من الأهالي فيترددون عليها ويقومون بطلائها باللون الأبيض فتظهر بين أطلال القرية ناصعة البياض ويكاد بياضها مع شعاع الشمس يغشى الأبصار. ففي وسط الوادى ضريح أبوذر صدوق ، وهناك ملتقى الجماعة (تغليس) وهو مكان يلتقى فيه الأهالي في فصلى الربيع والخريف ليتعاونوا فيساعد غنيهم فقيرهم وتصلى فيه صلاة الإستسقاء ومن المساجد مسجد ابي يحيى الفرسطائي ومسجد الحواريين ومسجد تيتفزين التندميرية التي عقد عليها الشيخ عامر العرجاني وهو من أهالي القرن العاشر الهجري وضريحه بوادى فرسطاء.         

وحتى لا نفقد جزءا من موروثنا الثقافي الذي أوجده السابقون فالأمر يتطلب رعايته وصونه من الجهات ذات العلاقة كمصلحة الاثار وجهاز المدن القديمة والهيئة العامة للسياحة والجمعيات الأهلية للتراث التكاثف والتعاضد لصيانة وترميم ما يحتاج لذلك وأن تقوم مصلحة الآثار باجراء حفريات علمية للكشف عن الآثار المدفونة والقيام بالدراسات العلمية لما هو ظاهر منها.
منظر عام للوادي
      وكلمة ختامية فإن المرء ليؤخذ بجمال وسحر فرسطاء عندما يقف هناك ذات صباح مع شروق الشمس أو مساء حينما تتوزع الظلال فتظهر لوحة  في منتهى الجمال كأنما أبدعتها يد فنان واسع الخيال ، ولتكتمل الصورة ويتم الإستمتاع فإن الأمر يتطلب بنية تحتية سياحية من فنادق متوسطة ومطاعم سياحية وخدمات ملائمة في المنطقة وتشجيع السياحة الداخلية فمناطق الجذب السياحي في جبل نفوسة متميزة ينقصها الاهتمام والتعريف بها والدعاية لها.



*نشر بمجلة البحوث التاريخية منشورات المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية. سنة 2012م.

·         وقعت معركة مانو في موضع بين قابس وطرابلس بين إبراهيم بن أحمد الأغلبي وحاكم جبل نفوسة وحلت هزيمة نكراء بأهل الجبل كان لها تأثير كبير عليهم.


الهوامش :ــ
1ــ احسان عباس . تاريخ ليبيا منذ الفتح العربي حتى مطلع القرن التاسع الهجري. منشورات دار ليبيا للنشر والتوزيع ، بنغازي ، 1967م .  
2 - محمد سالم المقيد الورفلي. بعض الآثار الإسلامية بجبل نفوسة في ليبيا. منشورات مصلحة الآثار ، 2007م. ص 56
3 -  أحمد بن سعيد الشماخي. كتاب السير . تحقيق أحمد بن سعود السيابي .وزارة التراث القومى والثقافة ، سلطنة عمان ، 1987م. ج2 .ص.ص.196، 197
4 –إحسان عباس .تاريخ ليبيا ص .219 .
5 – محمد سالم الورفلي . بعض الآثار الإسلامية بجبل نفوسة في ليبيا  .ص 52 .
6 - ابراهيم سليمان الشماخي . القصور والطرق لمن يريد جبل نفوسة من طرابلس(1303هـ ـ 1885م) . ترجمة أحمد الفساطوي. دراسة وتقديم امحمد البوجديدى . منشورات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية ،2005م.ص. 248
7 - الشماخي. السير.ج1 .ص. 150
8 - ينظر : هنريكو دى أغسطيني. سكان ليبيا ( القسم الخاص بطرابلس الغرب). تعريب خليفة التليسي. منشورات الدار العربية للكتاب ، تونس ـ ليبيا ، 1978م. ص 525 


المصدر/ مجلة البحوث التاريخية- منشورات المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية- العدد الأول لسنة 2012