أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الجمعة، فبراير 12، 2016

الاستئثار بالقبح




جمال اللافي


يغلب على الثقافة الليبية المعاصرة قناعة بأن الجمال مكلف جدا من الناحية المادية. ويأخذ وقتا طويلا حتى يتم إنجازه. لهذا أضحوا يتجهون إلى القبح، لأنهم يعتقدون أنه أقل كلفة وأسرع تنفيذا. ولهذا نرى القبح ينتشر في مدننا وعمارتنا وينعكس بالتالي على سلوكياتنا كل مناحي حياتنا.

والحقيقة التي تغيب عنا، أن الجمال يكمن في البساطة وحسن استثمار المقومات المتاحة وتوظيف كل شيء في مكانه الصحيح. ومن أهم ما يميز البساطة أنها لا تكلف كثيرا، هذا إن لم تكلف شيئا في بعض المتعلقات، بالإضافة إلى أنه يدوم طويلا (وقد يعمر قرونا- وهذا سر من أسرار كلفة الجمال). أما القبح فتكلفته المادية كبيرة جدا تضاف إلى تكلفته المعنوية ومردوده السيء على سائر حيواتنا. ومن سماته الرئيسية والأهم أنه سريع التلف وبالتالي لا يعمر طويلا. ولهذا نحن اليوم:
·        ندفع الأثمان الباهظة في كل ما يحيط بنا نتيجة تفضلينا للتعاطي مع القبح بدلا من التعاطي مع الجمال. ندفع هذا الثمن لأننا نستسهل الأشياء والأمور. ونستعجل في طلبها بأي صورة كانت.
·        ندفع ضريبة أوهام لا زالت تعشش في خيالاتنا وتصنع من نفسها ثقافة عيش. وستصبح مستقبلا ميراثاً لأجيال قادمة ومنهاج حياة لهم على نسق سيرتنا.
·        خسرنا كل شيء، حتى تلك المكاسب التي اعتقدنا أننا ظفرنا بها.

القبح أصبح سمة غالبة على كل ما ينتمي إلينا من منجزات أو سلوكيات عامة أو مظاهر حياة يومية. والجمال بدا يضمحل شيئا فشيئا من بين أيدينا كما التراب في يوم عاصف في يد مبسوطة، ما لم نعيد التفكير في نظرتنا للأشياء وطريقة تعاطينا معها ولكل ما يلامس حياتنا ويصنع منها بمرور الزمن ثقافة عيش وبالتالي ثقافة مجتمع وميراث للأجيال القادمة.

الجمعة، فبراير 05، 2016

تأملات في المعمار




جمال اللافي

      سنفهم العمارة عندما نحسن قراءتها. وعندما نفهمها سنحسن التعبير عنها بأدواتها ومفرداتها. ولن يتم ذلك قبل أن نتعلم القراءة، قراءة العمارة. فنحن اليوم نعاني من أمية معمارية تجعلنا لا نفقه من العمارة أكثر من كونها مجموعة من الخربشات التي تفصح عن مقدار جهلنا بشيء اسمه التعبير المعماري.

الجمعة، ديسمبر 25، 2015

بيوت الحفر (الدواميس) في جبل نفوسة





الأستاذ/ سعيد عـلـي حــامـد*


     تحف سلسلة جبال نفوسة بسهل الجفارة، وتمتد من منطقة النقازة التي تقع الى الشرق من مدينة طرابلس بنحو 100 كم لتستمر في منطقة ترهونة ومنها الى غريان ويفرن وجادو إلى أن تصل إلى نالوت حيث يستمر امتدادها داخل الاراضي التونسية. ويبلغ طولها نحو 500 كم.


      وتتميز سلسلة جبال نفوسة بارتفاعها فجائيا إلى الجنوب من سهل جفارة، بحيث تبدو جوانبها الشمالية بشكل حوائط أو جروف شديدة الانحدار تشرف على سهل الجفارة، في حين أن جوانبها الجنوبية تنحدر انحدارا تدريجيا نحو الجنوب حتى تنتهي في منطقة القبلة التي تفصل هذه الجوانب عن المنحدرات الشمالية للحمادة الحمراء .(1) تختلف ارتفاعات هذه السلسلة من منطقة الى آخرى فنجدها تبلغ أقصى ارتفاع لها عن مستوى سطح البحر بنحو 885 مترا في منطقة غريان في حين يبلغ ارتفاعها عند ترهونة ما بين 400-500 مترا، وعند يفرن يصل ارتفاعها الى 730 مترا أما في أقصى الغرب عند منطقة نالوت فيبلغ ارتفاعها نحو 650 كم.

             اشتق الاسم (نفوسة) من اسم  قبيلة نفوسة التي سكنت المنطقة منذ فترة موغلة  في القدم. وقد تعددت الآراء في أصلها وموطنها الاصلي. فالمؤرخ ابو جرير الطبري في كتابه تاريخ الرسل والأمم والملوك والمعروف بتاريخ الطبري  يذكر أن البربر أخلاط  من كنعان والعماليق، فلما قتل جالوت تفرقوا في البلاد وغزا افريقيش المغرب ، نقلهم من سواحل الشام واسكنهم افريقيا وسماهم البربر.(2) وذكر غيره أن البربر(3) قبائل شتى من حمير ومصر والعمالقة وكنعان وقريش تلاقوا بالشام ولغطوا فسماهم إفريقيش البربر.(4) ومن المرجح أنهم نزحوا إما من الجزيرة العربية التي كانت الخزان البشري للعالم القديم أو من منطقة الشام هاجروا واستوطنوا منطقة جبال نفوسة.  ومن أشهر تلك القبائل نفوسة وهوارة .  وقد اشتهر الجبل اسم جبل نفوسة، وقد وصفه الرحالة العربي ابـــن حــوقل في كتابه  (صورة الأرض) الذي ألفه في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي بقوله: " جبل عال منيف ... وفيه منبران لمدينتين تسمى أحدهما شروس في وسط الجبل وفيها مياه جارية وكرمم وأعناب طيبة وتين غزير ، وأكثر زروعهم الشعير وإياه يأكلون ، وإذا خبز كان أطيب طعما من الحنطة ، ولشعيرهم لذة ليست في خبزمن أخباز الأرض ... وبالجبل مدينة ثانية تعرف بجادو من ناحية نفزاوة وفيها منبر وجامع ." (5) أما أبو عبيد الله البكري فقد وصف جبل نفوسة في كتابه السالك والممالك في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي ، وذكر أن المسافة من طرابلس إليه مسيرة ثلاثة أيام وهو على ستة أيام من القيروان ، ويذكر أن طوله من الشرق إلى الغرب ستة أيام ووصف مدينة جادو بأنها مدينة كبيرة ولها أسواق ، ويذكر بأن وسط الجبل النخيل والزيتون الكثير والفواكه ."(6)

التجأ الانسان منذ بدء الخليقة الى الكهوف الطبيعية ليستخدمها كمأوى وملجأ من تقلبات الطبيعة أو لحماية نفسه من الحيوانات المفترسة وبعد اكتشافه النار ساعدته على توفير الحماية له من الحيوانات المفترسة.
وقد دلت الدراسات الأثرية التي اجريت في العديد من الكهوف المنتشرة في ليبيا وغيرها من البلاد بإستخدام الانسان لتلك الكهوف وخير مثال على ذلك كهف هوا افطيح الذي يقع الى شرق مدينة سوسة بالجبل الأخضر بليبيا  بنحو 12 كم الذي قام البرفيسور ماكبرنى بإجراء دراسة به سنة 1949 واكتشف من خلال الحفريات التي أجريت بهذا الكهف أن الانسان قد استخدمه منذ فترة لا تقل عن 80,000 سنة مضت.

     وتنتشر بمنطقة جبل نفوسة الكثير من الكهوف الطبيعية والتي لا شك في أنها استعملت في فترات قديمة كمساكن. كما أن الانسان قام بحفر كهوف وبيوت وملاجئ وقد تعددت أغراض استعمالات هذه المنشآت التي أوجدها الإنسان ويمكن تلخيصها في الآتي:-
1-    لأغراض دينية، يمارس  فيها الانسان الطقوس الدينية سرا بعيدا عن أعين سلطات الدولة التي لا تعترف بذلك الدين ، ومثال على ذلك الدياميس (الكاتاكومب) بقرقارش والتي مارس فيها بعض الأهالي طقوس الديانة المسيحية بعيدا عن أعين السلطات الرومانية الوثنية أو كهف القديس مرقس الإنجيلي بالجبل الأخضر.

2-    أغراض عسكرية، يتحصن به الافراد لحماية أنفسهم من هجمات الاعداء ، وتوفر لهم الأمن والحماية في فترات الفتن والاضطرابات ومثال على ذلك الكهوف المعلقة في الجبليين نفوسة والأخضر بليبيا.

3-    أغراض مدنية، تستعمل كبيوت ومساكن إذ توفر فراغات معيشة للأسر التي تقطن بها.

4-    أغراض تخزين، إذ يتم بها حفظ بعض المحاصيل الزراعية كالقمح والشعير وزيت الزيتون وغيرها.

5-    كمأوى للحيوانات، إذ تستخدم كمأوى ليلي للحيوانات كالاغنام والماعز لحمايتها من الحيوانات المفترسة.

      لقد انتشرت بيوت الحفر أو الدواميس في كثير من مناطق جبل نفوسة واستخدمها الاهالي كمساكن، ويمكن أن نتحدث عن أنواعها فيما يلى:-
 النوع الأول:  الغيران  أو الدواميس/
وينتشر هذا النوع عادة على ضفاف الأودية أو في المنحدرات، وهو عبارة عن تجويف حفر في الصخر يتم حفر تجويفات صغيرة بجدرانه الداخلية لحفظ الأمتعة في حين تستخدم المساحة التي أمام مدخله في طهو الطعام . وتختلف أبعاد الكهوف من كهف من الى آخر وعادة ما تتراوح مساحتها بين 12-15 مترمربع ، ومداخلها  بعرض يتراوح ما بين متر  و1.25 متر تقريبا ، ويتميز هذا النوع بسهولة الوصول والولوج اليه.

وهناك بيوت أو كهوف معلقة وهي تستخدم للسكن وميزتها أنها توفر الحماية لقاطنيها إذ تحفر في منحدرات صخرية بإرتفاع يختلف من كهف الى آخر وبعضها يزيد ارتفاعه عن 4 أمتار عن مستوى سطح الأرض ويتم الوصول اليها عن طريق سلالم صنعت من الحبال (7)  بينما موطئ الأقدام عملت من أغصان سميكة من الأشجار، ويطوى السلم ولا يستعمل إلا عند الصعود والنزول وفي بعض بيوت الحفر توجد فتحة صغيرة الى أعلى تمكن من تهوية الكهف وخروج الدخان الناتج عن النيران. وعادة ما تستخدم مقدمة الداموس كمكان لطهو الطعام. وهذه الكهوف تستعمل عادة للسكن في فترات التي ينعدم فيه الأمن بالمنطقة.

جزء من مد ينة طرميسة
منور لأحد بيوت الحفر بطرميسة

مدخل لأحد بيوت الحفر بطرميسة

النوع الثاني :  بيوت الحفر أو الدواميس/    
ويندرج تحت هذا النوع نموذجين اثنين:
1- بيوت حفر في أرض صخرية هشة (رسوبية أو متحولة أو رملية):
     تتميز معظم بيوت الحفر التي حفرت في الأرض الصخرية بأن مداخلها حفرت تحت مستوى سطح الارض بنحو من 2.5 - 4  مترا وهي في حافة أودية أو في منطقة منحدرة، ويسبق الباب الرئيسي ممر حفر بعمق يقارب المتر  من منسوب الأرض ويؤدي هذا إلى المدخل الرئيسي ــ والذي غالبا ما يكون مصنوعا من خشب أشجار الزيتون لصلابته ــ إلى السقيفة التي تؤدى الى الفراغ الرئيسي للبيت الذي تتم اضاءته وتهويته من فتحة دائرية في سقفه (المنور)  يتراوح اتساعها  من 1.50 – 3 متر. وتحيط بفراغ المعيشة الدواميس التي حفرت على جوانبه ويمكن مشاهدة هذا النوع في طرميسة بالقرب من مدينة جادو وفي نالوت حيث قامت جمعية التراث بنالوت بتنظيف أحد الدواميس يعرف باسم غار اتفوشيت وقد حفر في عام 1918 واستغلته سلطات الإحتلال الايطالية كمستوصف لمدة عامين ، ثم سكنت فيه عائلة اتفوشيت وهجرته في ستينيات القرن العشرين (8) ويتم حاليا تهيئته متحفا للعاديات والأزياء والتقاليد ، تتراوح من 1.50 – 3 متر، وتحيط بفراغ المعيشة الدواميس التي حفرت على جوانبه ويمكن مشاهدة هذا النوع في طرميسة بالقرب من مدينة جادو ونالوت حيث قامت جمعية التراث بنالوت بتنظيف أحد الدواميس يعرف باسم غار اتفوشيت وقد حفر في عام 1918 واستغلته سلطات الإحتلال الايطالية كمستوصف ، ثم سكنت فيه عائلة اتفوشيت وهجرته في ستينيات القرن العشرين (8) ويتم حاليا تهيئته متحفا للعاديات والأزياء والتقاليد ،وهناك في تاردية القديمة والمعروفة الآن بأولاد عبيد بالرجبان قصر يعرف " بقصر العلق في منتصف الجبل به دواميس محفورة في الجبل يصعب الوصول إليه وربما استعملت للسكن والتخزين ومساحتها حوالي 200 مائتيان من الأمتار وهي قصيرة العمق ."(9) وتوجد في قرية مرقس التي تقع إلى الجهة الجنوبية الغربية لوطن الحرابة مساكن أغلبها " محفورة تحت الأرض وتربطها أنفاق تحت الأرض وهي تبعد عن قصر الخزين بنحو مائتي متر ."(10) أما في قرية وازن التي تقع عند الحدود الليبية التونسية ويبعد عن نالوت في اتجاه الغرب تقريبا دواميس  ترتبط مع بعضها بانفاق تستعملها النساء للحركة والزيارات المتبادلة. وتتوزع مثل هذه  الدواميس في كثير من المدن بجبل نفوسة. 
وفي بعض الاحيان نجد بيوت بنيت بالحجاررة والجبس وفي نهايتها حجرات لدواميس حفرت في الصخور لتكون مكملة للبيت ومثال ذلك ما هو موجود في مدينة كاباو.
بيت الجزء الأمامي منه مبني
والجزء الخلفي حفر في الصخر بكاباو

مدخل غار تفوشيت بنالوت
سقيفة غار تشوفيت

الفراغ الداخلي وفي الأعلى جزء من المنور
لغار تفوشيت بنالوت

2- بيوت حفرت في أرض طينية أو رملية:-
يتميز هذا النوع من البيوت بوجود سقيفة طويلة فلذلك يطلق عليه بيت ابوسقيفة.
ولنترك الرحالة الفرنسي دي ماثيسيوDE MATHUISIEULX  .  الذي زار منطقة غريان سنة 1901 ونشر كتابه عن رحلته في طرابلس الغرب سنة 1903 فيقول : " كل أهل غريان  من سكان الكهوف، فليس هناك قرى ظاهرة للعيان بجانب القصر، وبدل أن تخرج البيوت من التربة إلى أعلى تدخل فيها بالحفر.... يسكن المواطنون المحليون .... منذ قرون فيما يشبه الخزانات الأرضية المربعة، في حيطانها أبواب تؤدي الى حجرات. وأعتاب هذه الأبواب على مستوى قاع الحفرالعمودي، وهو نوع من الفناء على عمق 6 الى 8 أمتار تحت حقول الشعير وأشجار التين  " (11) يتم النزول الى بيوت الحفر هذه عن طريق مدخل شيد فوق سطح الأرض، وبعد الولوج فيه تجد بداية أرضية السقيفة التي تقف بجدوع الزيتون ثم الجزء المحفور منها في الأرض بانحدار تدريجي يؤدي إلى الفناء الداخلي للبيت، وعادة ما تحفر بشكل منحنى لتوفر الخصوصية لأهل البيت وتحد من تسرب الاتربة والغبار إليه والتي تحملها التيارات الهوائية، ويلاحظ الطول الذي تمتاز به السقيفة من 6 – 9 متر تقريبا في حين يكون ارتفاعها نحو 2.60م.
الفراغ الداخلي لبيت حفر في منطقة أبوغيلان بغريان

ويصف دى ماثيسيو المدخل والسقيفة لهذه البيوت بقوله : " فتحة في الحقل، على عشر خطوات من الحفرة الكبيرة (الفراغ الداخلي)، مخبأة عن الانظار مثلما كانت فتحات سراديب الأموات الرومانية القديمة. بدأنا نسير في ممر معتم تماما في منتهى الضيق، دفعنا انحداره الشديد الى اسراع الخطى الى القاع. ولا يمكن استعمال هذا الاخدود الضيق اللولبي الذي عبرناه للوصول الى هذه الحفرة المفتوحة، من أى كان أراد أن يدخل فيه ضد رغبة السكان، فمدافع واحد برمح سيئ يمنع مرور عشرة معتدين . لاشك أن سكان الكهوف في غريان فكروا قبل كل شئ في أمنهم، عندما قرروا بناء دهاليز بهذه الصعوبة." (12)
وفي بعض البيوت توجد مصاطب بالسقيفة ومخزن وحجرة لايواء الحيوانات في الفترات التي ينعدم فيها الأمن.
حجرة في بيت حفر في منطقة أبوغيلان بغريان
     
ونظرا لطول السقيفة مما لا يمكن من بالبيت من سماع الطارق أو المنادى فإنه قد شاع مثل شعبي بين  الناس فيقال فلان ( السقيفة غرياني ) كناية عن من يعانى نقصا في حاسة السمع.
تختلف أطوال الفراغ الداخلى بيت إلى آخر وأغلبها تتراوح أطوالها مابين 6 – 10 متر وهو محفور بعمق يزيد عن 8 أمتار عن مستوى سطح الأرض ويحاط محيطه الخارجي باكوام من التربة المستخرجة من عملية الحفر ومهمتها تحديد الفراغ وعمل كساتر يحمى المارة اضافة الى حاجز لا يسمح للمياه الجارية على سطح الارض اثناء سقوط الامطار من الانسياب فيه. ويتوسط الفراغ الداخلى حفرة دائرية غير عميقة تنحدر اليها مياه الأمطار وتعمل على امتصاصها، وفي حالة امتلاءها أثناء فترات الشتاء لسقوط كميات كبيرة من الأمطار يعمد الأهالى لإضافة الرماد لامتصاص المياه.
     
تحفر الدواميس في الجدران المحيطة بالفناء الداخلى وعادة ما تتوزع حوله بالتساوى : اثنان من كل جانب ، يتوسطهما مطبخ حفر في الجدار بمدخل بسيط وبمساحة لا تزيد عن 6 م2 وفي العادة تشترك كل أسرتان تسكنان في داموسين  في استغلال المطبخ الذي بينهما.
يتم النزول الى الغرفة عبر مدخل له باب صنع من خشب اشجار الزيتون، وينخفض منسوب أرضيتها عن أرضية الفناء بنحو 20 سم. وتقسم الغرفة إلى قسمين أو ثلاثة أقسام. يكون القسم الداخلى الذى يرتفع قليلا عن منسوب الأرضية للوالدين ويستغل الفراغ الأوسط كمنام للأطفال في حين القسم الثالث والذي يلي المدخل مباشرة يعد للمعيشة وهيأ سقف الغرفة على شكل قبو لقدرته على تحمل ضغط التربة ولتوزيع الأحمال على الجوانب. ويمكن لربة البيت استغلال جزء من الفراغ المركزي للبيت لتصريف أعمالها اليومية من غسل واعداد الطعام أو تجفيف الأغدية والمنتجات الزراعية او تنقيتها من الشوائب أو في الصناعات اليدوية كحلج الصوف.....إلخ
وميزة هذه الكهوف أنها باردة أثناء النهار ولا يشعر فيها بالبرد ليلا. ويرجع سبب ذلك الى عمق هذه الدواميس تحث مستوى سطح الارض بما يزيد عن 8 أمتار مما يجعلها لا تتأثر كثيرا بالظروف المناخية السائدة على سطح الارض.
    
وقد دلت الدراسات التى أجريت عن بيوت الحفر في منطقة جبل نفوسة ان درجة الحرارة والرطوبة بها قد سجلت طوال اسبوع الصيف درجة حرارة شبه ثابتة (27 ْ) ورطوبة نسبية (30-40% ) وقد سجلت درجة حرارة ( 18 ْ) ورطوبة نسبية (40 % ) طـــوال أيــام الشتاء". (13) وهى درجات حرارة ورطوبة مناسبة توفر الراحة للأهالي ، مع العلم أن درجة الحرارة في فصل الصيف بالمنطقة عادة ما تكون في منتصف الثلاثينيات أما في ليالي فصل الشتاء فتكون في بعض الأحيان ما دون الصفر .
     
إننا لا نملك تاريخيا محددا لظهور هذا النوع من بيوت الحفر وأن دلت بعض الوثائق التى لدى الأهالى في منطقة غريان أن عمرها يصل إلى الأربعة قرون، واستمر استعمال هذه البيوت في الغرض الذي انشئت من أجله إلى ستينيات القرن العشرين عندما انتقل معظم قاطنيها الى بيوت شيدت حديثا.
واستعمل بعض مما تبقى من بيوت الحفر القديمة ـ الدواميس ـ  مـأوى للحيوانات في حين استعملها بعض الأهالي بمثابة استراحة مؤقتة وفرارا من الحرارة المرتفعة في الابنية الحديثة في الأيام التى ترتفع فيها الحرارة في فصل الصيف.  كماوظيفت بعض هذه البيوت لتكون بؤرا لجذب السياح للتعرف على نمط حياة السكان بالمنطقة في مراحل تاريخية مختلفة.

الهوامش : ــ
1 ــ لمزيد من التفاصيل ينظر : عبد العزيز طريح شرف . جغرافية ليبيا . الاسكندرية : مطبعة المصري ، 1962.
2 ــ  الطبري . تاريخ الأمم والرسل والملوك . بيروت مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة الخامسة ، 1989م.
3 ــ لمزيد من التفاصيل عن أصل البربر ينظر : كامبس . البربر الذاكرة والهوية . ترجمة جاد الله عزوز الطلحي .منشورات مركزجهاد الليبيين للدراسات التاريخية ، 2004م.
4 ــ لمزيد من التفاصيل ينظر : ابن خلدون .كتاب العبر المبتدأ والخبر . القاهرة : مطبعة بولاق ، 1284 هـ. 5ــ ابن حوقـل . صـورة الأرض . بيروت : دار مكتبة الحياة ،(د.ت ) ص. 92
6 ــ أبوعبيد الله البكري. المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب.وهو جزء من كتاب المسالك والممالك. بغداد  : مكتبة المثني .ص.9
7 ــ تزخر منطقة الجبل الأخضر في ليبيا بالكهوف كما توجد بها كهوف معلقة يطلق عليها الأهالي اسم المعاليق . لمزيد من التفاصيل ينظر : داود حلاق . أوشاز الأسلاف . منشورات مصلحة الآثار.
8 ــ معلومات  مستقاة من المهندس علي أحمد عسكر.
9 ــ إبراهيم سليمان الشماخي . القصور والطرق لمن يريد جبل نفوسة من طرابلس (1885 م.) . ترجمة أحمد مسعود الفساطوي . منشورات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية ، 2005 م. ص.133
10 ــ المصدر السابق .ص. 246
11 ــ دى ماثيسيو . عبر طرابلس الغرب . ترجمة جاد الله عزوز الطلحي . منشورات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية .ص.117
12 ــ المرجع السابق ، نفس الصفحة.
13 ــ  مفتاح البكوش ، علي الذويب . بيوت الحفر . دراسة نشرت في مجلة الهندسي ، العدد ، 38


* باحث تاريخي بالمركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية

الجمعة، ديسمبر 04، 2015

مفهوم العمارة المحلية


الأستاذ المعماري/ أحمد امبيص


العمارة المحلية، تعني أنها وليدة موقعها من مواد بناء إلى أيدي عاملة إلى استعمال فراغات. وهي لا تعمل إلا في موقعها. وأي عنصر معماري وافد يلغي عنها صفة المحلية. وعمارة الساحل لا تمثل عمارة الجبل أو عمارة الصحراء. والعمارة الغدامسية مثلاً، لا تمثل ليبيا. وإنما هي عمارة محلية تقع في ليبيا. كما تمثل عمارة الساحل الليبي عمارة البحر المتوسط أو تشترك معها في المادة والهيئة والتكوين وطرق البناء، باعتبارها واقعة على ضِفافه. ودائماً العمارة المحلية هي عمارة الناس وليس عمارة الدولة، أي ليست العمارة الرسمية.

الفكر المعماري في ليبيا بين غياب الرؤية وغياب المعلم


 
الفنان التشكيلي الأستاذ علي قانه


جمال اللافي


التلمذة، في اعتقادي أن مفهومها ومدلولها ومعناها وأهميتها وقيمتها الحقيقية لم تترسخ في الأذهان ولم تأخذ مسارها الصحيح في قسم العمارة والتخطيط العمراني بجامعة طرابلس. ربما يكون الخوف من تحمل هذه المسؤولية. وربما هو الجهل بها. وربما عدم الرغبة أيضا، هو ما يمنع من وضعها على مسارها الصحيح.

ولهذا نجد خريج قسم العمارة لا يشعر بهذا الانتماء الحقيقي لأحد الأساتذة، وتبقى فقط المجاملة هي ما يلزم بعض من ذوي الأخلاق الحميدة على الإشارة إلى فضل أستاذ أو مجموعة من الأساتذة عليه، وذلك فقط لمروره في موادهم دون مشاكل تذكر. أو لأنهم يجيدون تدريس المواد بصورة تساعد على وصول المعلومة بطريقة سلسة ومفهومة. وقد تكون النتائج الجيدة هي الدافع لهذا الامتنان. وقد تكون المعاملة الحسنة. وهناك بعض الأساتذة فرضوا احترامهم نتيجة التزامهم ومصداقيتهم في التعليم.

الأمر ينطبق أيضا على جميع المكاتب المعمارية في ليبيا دون استثناء، حيث يأتي غياب المنهج والرؤية والفكر والتوجه المعماري عن مؤسسيها وانحسار الأمر على السعي لتحقيق المكاسب المادية، إلى غياب حالة التتلمذ والتواصل بين الأجيال. وهنا يحضرني سؤالين:
·        هل بالضرورة أن يكون المعلم صاحب مشاريع منفذة، أم يكفي أن تكون له رؤية واضحة المعالم؟
·        وهل العزوف من التلميذ (الخريج الجديد)، أم من المعلم( ممارس المهنة وصاحب الخبرة الطويلة)؟

التلمذة، تعني الرعاية التامة وتوصيل رسالة من جيل إلى آخر، من الأستاذ إلى تلميذه، رسالة تحمل فكر ومنهج وأسلوب.
والمعلم، يجب أن تتوفر فيه شروط أخلاقية، قبل أن تتوفر فيه شروط علمية أو مهارات تصميمية أو فنية أو خبرات عملية. وعندما يضيع الجانب الأخلاقي تفقد الجوانب الأخرى أهميتها وقيمتها.

على مستوى التجربة الليبية/
يستحق الأستاذ علي قانة (رحمه الله) لقب الأب الروحي لقسم العمارة عن جدارة واستحقاق. ولكنه لم يحقق متطلبات التلمذة لسبب
 واضح وبسيط وهو أنه يقوم بتدريس مادتين لا تتيحان له أن يؤدي رسالته هذه، لأنهما لا توفران المناخ لذلك وهما مادة الرسم الحر ومادة أسس التصميم. ولكن يمكننا القول أنه نجح في تحقيق هذه المعادلة إلى حد كبير في كلية الفنون الجميلة بقسم الخزف مع طالباته الثلاث (حليمة أبوسريويل/ ريم جبريل/ هادية قانة)، لأن طبيعة المواد التي قام بتدريسها هناك تسمح له بذلك وأعطته مجالا واسعا لتحقق رسالته وتوصيل فكره ومنهجه.


وعلى مستوى التجربة العربية/
المعماري راسم بدران
في اعتقادي أن المعماري الأردني راسم بدران، يحقق هذه المعادلة من خلال مكتبه (دار العمران). وأعتقد أنه أخلص في ذلك 
ونجح نجاحاً ملحوظاً، نتيجة لتوفر ثلاثة عوامل مهمة:
أولها، إتاحة الفرصة له لتنفيذ العديد من الأعمال التصميمية، التي تم تنفيذها بالصورة التي يراها في العديد من الدول العربية.

والثاني، فوزه بجوائز معمارية على المستويين العربي والإسلامي له ولأعماله، حققت له رسوخاً على الساحة المعمارية العربية والاردنية.

وثالثها، امتلاكه لمكتبه الخاص ورؤيته المعمارية. وتوفر الإمكانيات المادية التي تجعله قادرا على فرض سياسته على كل من يريد أن يلتحق بمكتبه للتتلمذ على يديه. وحضور الرغبة الصادقة لدية لتوصيل خبرته للأجيال الجديدة في بلده الأردن. وهنا نجد أن تلاميذه يتحدثون عن أخلاقه وتواضعه أكثر مما يتحدثون عن مهاراته أو فكره المعماري.

الجمعة، أكتوبر 02، 2015

تفاصيل معمارية




السر في أي عمارة محلية يكمن في التفاصيل الدقيقة للمفردات المعمارية والزخرفية، وفي المعالجات المعمارية لتوزيع الفراغات، وليس في المفردات والعناصر المعمارية بذاتها (فالباب والنافذة والقوس والقبة والقبو، ليست بكافية للتمايز بين عمارة وأخرى).

ولو أخذنا العمارة المتوسطية كمثال صريح، فإنا سنلاحظ ذلك التشابه الكبير في التعاطي مع العناصر والمفردات المعمارية بوجه عام. ولكن ما يجعلها تتمايز بين منطقة وأخرى هي تلك التفاصيل التي يبدعها الحرفي ليحقق ذلك التمايز بين عمارة منطقة وأخرى.

التفاصيل، ليست ترفا فنيا يعكس ثراء منطقة عن أخرى من عدمه، وليست تكلفا يمكن تجاوزه لتوفير الوقت والمال والجهد، بقدر ما هي بطاقة الهوية التي تعرّف بثقافة كل منطقة وما تحمله وراءها من قيم ومعتقدات ورؤى تعكس مفهومها للحياة وبالتالي للفن الذي يعبر عنها بالكثافة أو التجريد، بالتعقيد أو التبسيط. بالغموض أو الوضوح. بالكثرة أو القلة، بالضخامة أو الإنسانية. وهي جواز السفر الذي يسمح لكل ثقافة بالعبور إلى منطقة الاحترام والتقدير لدى الشعوب والثقافات الأخرى.

وقد أبدع الحرفي الليبي في التعبير عن ذواتنا أمام الآخر (جار لنا كان. أم مقابل لنا في الضفة الأخرى) في صنعته بابتكار تفاصيل معمارية وفنية وزخرفية أصيلة، وفي توظيفه لهذه التفاصيل ودمجها مع المفردات المعمارية في مباني عمارتنا المحلية.
نماذج من العمارة العربية

وفي عمارتنا الليبية المعاصرة (1911- 2015) نرى أن هذه التفاصيل، تنحسر تماما من منجزات المعماري الليبي، متغافلا أو متعمدا النأي بأعماله بعيدا عنها. وهذا راجع بالدرجة الأولى لقصور في التعليم المعماري الليبي، الذي استند كثيرا في توجهه على تبني رؤية عمارة الحداثة التي جعلت بينها وبين الموروث بكل تفاصيله قطيعة تامة، وترى في هذه التفاصيل تغطية لعيوب المسطحات المعمارية (رغم أن عمارتنا المحلية تعتمد على صراحة التعبير عن الكتلة والبعد عن الإطناب في تغطيتها وزخرفتها. وبهذا تكون سابقة لعمارة الحداثة في هذا التوجه المعماري). وقد يكون لهذا العزوف مبرر عند مصدره. ولكن لا مبرر له في بلادنا‘ غير أن نصفه بتبعية عمياء لا بصر ولا بصيرة لها.

هذا العزوف عن التفاصيل، التي بات يرفضها المعماري الليبي المعاصر، بحجة التجديد والبعد عن التقليد. يقابلها غياب تام عن طرح أي بديل يعطي للعمارة الليبية خصوصيتها المتفردة عن باقي عمائر الدنيا (في ماضيها وحاضرها)، بقدر ما ذهب بعيدا في استنساخه لعمارة ومفردات ومواد وتقنيات إنشائية مغتربة عن ثقافته وبيئته. بل انه يتمادى في استحضار عمارة بموادها وتقنياتها، تجاوزها صناعها ومبتكريها بأكثر من قرن (عمارة الاسمنت والحديد والكمرات الطائرة بلا هدف أو غاية. شأنها شأنه).